تصفية حساب بين المالكي والمرجع النجفي

 

لم يفوّت رئيس الوزراء نوري المالكي المنتشي بفوزه بالانتخابات التشريعية، على ما يبدو، فرصة رّد “الصاع صاعين” للمرجع الديني الشيخ بشير النجفي، الذي كان قد “حرّم” قبيل يوم الاقتراع، إعادة انتخاب زعيم ائتلاف دولة القانون، لأسباب تتعلق بالفشل والفساد الوظيفي.

إذ قامت القوات الأمنية باعتقال عدد من طلبة الدين الأجانب تحديدا من التبعية الباكستانية المقيمين في مدينة النجف (جنوب) بغداد، واقتادت العشرات منهم إلى مراكز الشرطة للتحقق من صلاحية أقاماتهم. لتُطلق سراحهم لاحقا، بعد تنديد واستنكار المرجعيات الدينية وفي مقدمتها المرجع الأعلى أية الله علي السيستاني، وأطراف سياسية معارضة لتوجهات المالكي.
وقبل عملية الاعتقال بأيام قليلة، بثت قناة “الشرقية” الفضائية تقريرا متلفزاً عما قالت إنها حملات تهجير يقوم بها عناصر “حركة عقائدية متطرفة” في احد أحياء مدينة النجف، ضد العوائل التي ترفض تلبية “رغبات أشخاص متنفذين طلبوا من النساء الموافقة على الزواج المؤقت (متعة) من رجال باكستانيين” .
وبينما بثت قناة “العراقية” شبة الرسمية تقريرا متلفزاً فندت فيه “ادعاءات” فضائية “الشرقية”، وظهر فيه رجال دين يتحدثون بلكنة باكستانية ينفون فيه ما نُسب إليهم، إلا أن أوساطا نجفية مقربة من المرجعية الدينية ومصادر سياسية في بغداد أيضا، تعتقد أن “مقربين من المالكي هم من يقفون وراء إثارة هذه القضية”، ابتداء من التقرير التلفزيوني “المفبرك” انتهاء بعملية الاعتقال التي رأى فيها البعض “مساسا جائرا بمكانة المرجعية الدينية في النجف الاشرف” .
ويستند هؤلاء في اتهامهم المباشر، إلى حادثة سابقة أقدم عليها المالكي قبل عامين تقريبا، عندما “وجه أوامره بسحب الحمايات الخاصة التي وضعتها السلطات على أبواب بيوت ومكاتب المراجع الأربعة” .
حتى انه قيل في حينها إن “فعلا انتقاميا” كان وراء تلك التوجيهات التي أقدم عليها القائد العام للقوات المسلحة آنذاك، نتيجة مقاطعة المراجع وفي مقدمتهم السيد السيستاني له ولمسؤولي حكومته احتجاجا على فشل الحكومة في الإيفاء بوعودها بتحسين الأوضاع الأمنية والمعيشية للمواطنين.
وفي دلالة قاطعة على صحة هذا الاعتقاد، أكد الشيخ علي النجفي نجل المرجع بشير النجفي والمتحدث باسمه، أن “ما قامت به الأجهزة الأمنية من اعتقال العشرات من طلبة الحوزة العلمية من الباكستانيين، عمل سياسي بامتياز جاء على خلفية مواقف المرجع من الحكومة”.
النجفي الابن، قال في تصريح لوسائل إعلام محلية، إن “ما حصل – يقصد هنا عملية الاعتقال ومداهمة مساكن الطلبة الباكستانيين – يعُد سابقة خطيرة تحدث لأول مرة في العراق الجديد”.
وتجدر الإشارة إلى أن الشيخ النجفي (باكستاني الأصل) الذي دعا عشية الانتخابات إلى التصويت لصالح قائمة “المواطن” التي يرأسها روحيا السيد عمار الحكيم، هو احد المراجع الأربعة الكبار إلى جانب (أية الله السيستاني، والسيد محمد سعيد الحكيم، والشيخ إسحاق الفياض) الذين يشكلون المرجعية الدينية العليا لمقلديهم من شيعة العراق والعالم.
وعلى صعيد المواقف المنددة، رفض المرجع الديني الأعلى أية الله السيستاني، اعتقال عدد من الطلبة الأجانب في الحوزة، واصفاً إجراءات الأجهزة الأمنية بـ”التعسفية ضد الطلبة الباكستانيين”. وحض السيد السيستاني السلطات العراقية على “وقف هذه الأعمال والتحقيق مع مَن قاموا بها واتخاذ الإجراء المناسب بحقهم”.
كما شبه البعض حادثة التوقيف هذه، بأعمال مماثلة كانت تحصل باستمرار في عهد الرئيس السابق صدام حسين، الذي قمع بقسوة ودموية رجال الدين الشيعة من العراقيين والأجانب الذين كانوا يتلقون علومهم الدينية سابقا في حوزة النجف التي تعتبر مركز التشيع في العالم.
إذ وصف عادل عبد المهدي القيادي البارز في حزب الحكيم، عمليات ملاحقة واعتقال عدد من الطلبة الباكستانيين في مدينة النجف بـ”العار”، ورأى أن “المستهدف هنا ليس الأفراد، بل المرجعية والمراجع الدينيين والحوزة العلمية”.
وفي السياق ذاته، أدانت مفوضية حقوق الإنسان العراقية، اعتقال طلبة الحوزة العلمية من قبل الأجهزة الأمنية. وقال عضو المفوضية فاضل الغراوي في تصريح مكتوب “ندين استهداف واعتقال طلبة الحوزة العلمية في النجف الاشرف، ونطالب السلطات القضائية والأمنية في المحافظة بإجراء تحقيق عاجل ونشر نتائجه للشعب العراقي”.
من جهتها، استنكرت مؤسسة “الإمام الشيرازي” العالمية ما وصفتها بـ”الإجراءات التعسفية” التي تعرض لها طلبة العلوم الدينية في الحوزة النجفية، وطالبت بفتح تحقيق فوري لمعرفة ملابسات ما أسمته بـ”العدوان” على أولئك الطلبة وتعويض المتضررين.
وفي محاولة لتبرير عملية التوقيف، أكدت وزارة الداخلية التي يشغل المالكي هرم رئاستها بالوكالة، حرصها على “انتظام الدراسة في الحوزة العلمية واطمئنان الطلبة والدارسين، كما تحرص على أمنهم وأمن جيرانهم من المواطنين”. وفُهم هذا الجزء من البيان التوضيحي للداخلية بأنه إشارة إلى ملابسات التقرير التلفزيوني الذي بث قبل عملية الاعتقال.
وبينما أعربت الوزارة، عن تقديرها واحترامها لجهود العلماء ومكاتب المرجعيات الدينية، كشفت عن مسؤوليتها في تطبيق قوانين الإقامة بالتنسيق مع مكاتب المرجعيات الدينية، ومتابعة شؤون الطلبة الأجانب المقيمين بما يتوافق مع القوانين النافذة. كما دعت جميع الطلاب إلى مراجعة مكاتب الإقامة لتصحيح أوضاع المخالفين للقوانين “لما في ذلك من أثر كبير على انتظام الأوضاع الأمنية والاجتماعية”.
مقاربة وزارة الداخلية لهذه القضية، يرى فيها معلقون سياسيون “نوعا من الصحة للاعتقادات التي أشير فيها إلى وقوف رئيس الوزراء أو مقربين منه وراء هذه الحادثة”، التي يرجح لها أن تتطور بين المالكي الطامح بقوة لولاية ثالثة وبين المرجع النجفي تحديدا.

 حيدر نجم

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.