حول سرقة النفط… ملاحظات لم يتطرق لها الاعلام

 

من يتابع ملف النفط لابد ان يتعثر بجملة حقائق، يحاول الاعلام الرسمي الحكومي اخفائها، وغير الحكومي تجاهلها، بينما تقف سلطة الاعلام الضغيفة في الاقليم عاجزة عن ايصالها للمتلقي.
وهذه الحقائق الخفية تترك الناس في حيرة، كيف يفسرون هذا التساهل الامريكي مع الاقليم، وامريكا التي طالما رددت، سواء على لسان الناطق الرسمي باسم البيت الابيض، او بقية المسؤولين بانها تقف بالضد من عملية تصدير النفط دون موافقة الحكومة المركزية. ولا بد ان يحتار المتلقي حين يسمع عن الحماس التركي لتصدير نفط كردستان في الوقت الذي ماتزال فيه الاخبار، بارزة على مواقع دولة القانون، تزينها صورة السيد حسين الشهرستاني، مستشار رئيس الوزراء لشؤون الطاقة وهو يؤكد عدم موافقة تركيا على تصدير نفط كردستان.

الاعلام الرسمي، وهو الصوت الاعلى، يؤكد ان تصدير نفط الاقليم هو خلاف مواد الدستور وبالتالي فهو غير قانوني، لكن لم يتطرق الاعلام الى المواد الدستورية التي تخرقها عملية التصدير، او اي مادة قانونية اخرى.
في المقابل فان صوت الاعلام الكردستاني، وهو الاضعف، بالاضافة لتصريحات وزير الطاقة التركي تانر يلدز يؤكد قانونية العملية دون ان يوضح ذلك قانونيا ايضا.

لذا فاننا تجاه رأين، هل العملية برمتها تعد سرقة من النفط العراقي، كما صرح السيد نوري المالكي، ام انها مجرد تعامل اقتصادي مشروع كما يقول السيد مسعود البارزاني؟
وفي هذا الخضم، فان الكثير لا يعرفون ان عائدات هذه الشحنات من النفط، التي تودع في بنك “خلق” التركي هي ليست ملكا لحكومة الاقليم، وانما توزع على الشكل التالي:
استقطاع 5% من العائدات لصالح صندوق تعويض الكويت، كما هو متفق عليه من قبل الحكومة العراقية.
المتبقي من ذلك يذهب بنسبة 85% الى الخزينة العراقية، وما تبقى هو نسبة الـ 17% هي جزء من حصة الاقليم من الميزانية، تستلمها حكومة الاقليم كضمانة بعد ان امتنعت الحكومة العراقية عن صرف رواتب الموظفين في اقليم كردستان وتهدد بالمزيد من الاجراءات المالية.

النقطة الاخرى التي اهملها الاعلام هي ان العملية برمتها تتم باشراف شركة سومو التي يدعو لها السيد حسين الشهرستاني والسيد المالكي.
اي ان عائدات النفط الكردستاني التي تصدر الى اوربا لا تختلف في عائديتها عن شحنات النفط العراقي المصدر من بقية مناطق العراق باشراف الحكومة المركزية.

وفوق هذا فان الاقليم يستند الى المادة الدستورية 115 في الباب الرابع التي تعطي الاولوية بصورة لا تقبل الجدل الى لقرار الاقليم، وهذا ما استند عليه وزير الطاقة التركي السيد يلدز في تفسيرة لقانونية العملية.
الا ان مراجعة تاريخية بسيطة لجذور الازمة تبين انها ازمة سياسية اكثر منها اقتصادية، بدأت مع دعوات نواب التحالف الحاكم لتخفيض نسبة حصة الاقليم، ثم الامتناع عن اقرار الموازنة، تلاها قرار الحكومة بقطع رواتب الموظفين في اقليم كردستان، ثم التهديد باتخاذ اجراءات عقابية اخرى تعتبر حصارا اقتصاديا غير معلن.
لذلك فان جذور الازمة، التي من المفترض ان تكون اقتصادية بحتة، كانت قد خرجت من حسابات السوق والاقتصاد، واخذت طابعا سياسيا، ولو تجردنا اكثر في الحسابات، اخذين بنظر الاعتبار توقيتها، فانها لم تكن سوى مباراة “لي اذرع” على حلبة الاقتصاد، الغرض منها ترتيب اوراق انتخابية سواء قبل عملية الاقتراع الشعبي، لكسب الاصوات، او بعد التصويت، للضغط على الكتل النيابية الجديدة قبيل تشكيل الحكومة المرتقب.

ويبدو ان الحكومة المركزية كانت تعول كثيرا على هذه الازمة لتحريك الاجواء الانتخابية، فعندما كان الطرف الكردستاني يبدي مرونة لحلحلتها، واستعادة رواتب الموظفين، كانت الحكومة تضع عقبات جديدة في كل جولة تفاوضية.
وربما العصى الاغلظ التي دسها السيد حسين الشهرستاني في عجلة المفاوضات هو شرط تصدير حكومة الاقليم لـ 400 الف برميل يوميا وتسليم عائداتها مباشرة لحكومة المركز، والسيد الشهرستاني يعرف اكثر من غيرة استحالة تنفيد هذا الشرط من قبل الاقليم لان الطاقة الاستيعابة للانتاج لا تتجاوز حاجز الـ 100 الف برميل يوميا.
وبائت محاولة السيد نيجرفان بارزاني لانهاء الازمة اثناء جولة المفاوضات الاخيرة في بغداد بالفشل، ورفض السيد الشهرستاني اقتراح الاقليم بتصدير الـ 100 الف برميل يوميا تحت اشراف الحكومة المركزية، واصر على سقف الـ 400 برميل.
ومع فشل المفاوضات، والشهور التي مرت بما يشبه الحصار، بدأت بوادر ازمة حقيقية تظهر في الاقتصاد الكردستاني، هذه الازمة التي اخذت تفرز موجات ارتدادية من الازمات على صعيد علاقات الاقليم الاقليمية والدولية.
اول المتضررين من هذه الازمات هم الاتراك، فالاقتصاد التركي يرتبط بالاقتصاد الكردستاني بعلاقات قوية، وتبلغ نسبة التبادل التجاري بين تركيا والاقليم اكثر من 70% من نسبة التبادل التجاري بين تركيا والعراق، والازمة المالية في الاقليم ستلقي بضلالها الثقيلة على الاستثمارات التركية في المنطقة وتوقف الكثير من المشاريع الستراتيجية المشتركة بين الطرفين، وهذا احد اهم الاسباب التي غيرت مواقف الحكومة التركية من مساندة بغداد الى اربيل.
دول الاتحاد الاوربي، التي يهمها تعدد مصادر الطاقة، ابدت تفهما للموقف الكردستاني اثناء الجولة التي قام بها السيد مسعود البارزاني مؤخرا، تلك الدول التي طالما اشغلتها هموم تأمين مصادر الطاقة، ويهمها توزيع مراكز القرار في دول المنبع، بدت واثقة من قدرة الاقليم على تشكيل مصدر جديد للامداد يخفف عنها بعض اعباء الوصول للمنبع.
وحتى الولايات المتحدة، وان مانعت على لسان السيدة جين ساكي، المتحدثة باسم الخارجية الامريكية، الا انها لم تتقدم بخطوة اخرى، وبدت مقتنعة برد مسؤول العلاقات الخارجية في حكومة اقليم كردستان، السيد فلاح مصطفى، بأن “عليها ان تتخذ موقف الحياد”.
الان، داخليا يحاول السيد المالكي جني الفائدة القصوى من هذه الازمة، عن طريقين. اولا احراج الكتلة الكردستانية في البرلمان الجديد، وهي ثاني اكبر كتلة (62) نائب، واضعاف صوتها المطالب بعدم ترشيحه للولاية الثالثة. وثانيا احراج الكتل الشيعية المناوئة كالاحرار والمواطن وابعادهم عن الائتلاف مع الكرد في تفتيت واضح للمعسكر المقابل له.
الاقليم من جهته يحاول جني الثمار، من هذه الخطوة التاريخية، ايضا، لانها وضعت اسمه على خارطة الاقتصاد العالمي، فبات مؤثرا في حجم الانتاج، وكميات التصدير، وتحديد الاسعار للسوق النفطية، مما يتداخل مع مصالح قوى عالمية مؤثرة، لا شك ستحاول التقرب من اربيل بمعزل عن الحكومة العراقية، مثل منظمة اوبك، الدول المستوردة، الشركات الكبرى، والدول المصدرة الاخرى، الخ، وهذا بحد ذاته انجاز “تاريخي” يعتبره الكرد سلمة في مسيرة الصعود نحو الاستقلال وبناء بلد متماسك.

بالدرجة الثانية هنالك المستفيدون من الشخصيات البرلمانية التي تحاول التقرب من السلطة ومن المناصب الواعدة في المنطقة الخضراء، التي تعيش طقس التشكيل الحكومي المرتقب، عن طريق اطلاق الشعارات الوطنية واستخدام مفردات حماسية ملفتة.
واخر المستفيدين هم الاخوة الاعلاميين من كتاب وصحافيين واصحاب مواقع الكترونية هي بحاجة لمادة اعلامية لابراز ولائها للسلطة.
المتضرر الوحيد هو هذا المتلقي، الذي لا تصله المعلومة الكاملة، التفاصيل التي يخفيها الاعلام الرسمي، ويتجاهلها الاعلام المحايد، وتعجز ان ايصالها قنوات الاقليم الاعلامية الضعيفة.

حسين القطبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.