محمد عبد الجبار الشبوط.. مراهق العاطفة والسياسة

 

تجتمع في شخصيّة محمد عبد الجبار الشبوط المُكَنّى “ابو سعدي” متناقضات سلوكية وفكرية، تبدأ بتسويقه لنفسه منظراً للديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، ومحللاً يسبر أغوار المستقبل العراقي، ولا تنتهي بكونه المتشبّث بكرسي شبكة الاعلام، على رغم قرارات اقالته، فضلا عمّا خبره المقرّبون منه، كونه بخيلاً الى حد الشح، حتى عند الاستئناس برأيه في موضوع ما، لتجتمع في شخصية مراهق سبعيني أو يكاد، كل الصفات المتناقضة، اذ لم يمنعه عمره المتقدم والاعتبارات الاخلاقية من استدراج الفتيات الى خِيوط شباكه المنصوبة في المسالك.
ولا يُلقى الكلامَ على عواهنه في ظاهرة “الشبوط”، اذ يقول العارف بشؤونه، ان التركيز على النساء في حياته، ليس سوى نِتاج ما اقترفه المراهق العجوز من مغامرات عاطفية يعوّض بها دفئاً لأحضان الانوثة التي افتقدها أيام الصبا والشباب، كما يقول صديق قديم له، يتحدث ايضا عن ان هذه العادة لم تتغير، فما ان شرع في عمله رئيسا للشبكة حتى استثمر منصبه في اصطياد اللواتي يبحثن عن لقمة عيش، والمراهقات الباحثات عن النجومية في التلفزيون، ما جعل الذين من حوله يتربّصون به ويسجّلون له مقطع فيديو في مكتبه في أوضاع اخلاقية غير مهنية، مع موظفة في الشبكة.

وفي تأريخه مع حزب الدعوة، يقول رفيق قديم له، ان الشبوط الذي لم يكن مغامراً مع النساء فحسب، بل مراهقاً سياسياً، ترك حزب “الدعوة الاسلامية” أو طرده منه شيوخ الحزب الذين لمسوا فيه علامات الانحراف الفكري والاخلاقي، ليتسكع وظيفياَ بين صحف الكويت، والمعارضة العراقية في الخارج.

ان هذا التخبّط الفكري والوظيفي، وانغلاق الابواب بوجهه، جعلت منه شخصا غير واثق من نفسه، يتملّق لمن يعتقد انهم سيوصلونه الى طموحاته، فتزلّف الى احمد الجلبي تارة، ولإياد علاوي تارة اخرى، على طريق الحصول على فرصة عمل في المعارضة، فكان عمله في صحيفة المؤتمر في لندن، لقاء أجر زهيد.
ولأنه يسعى الى الاهداف التي رسمها في داخله، فقد كان من القلائل من المعارضين العراقيين الذين قبلوا زيارة العقيد الليبي الراحل معمر القذافي في بداية تسعينيات القرن الماضي، في وقت كان فيه الشيعة ينظرون الى هذا الدكتاتور كعدو، بعد تغييبه رجل الدين اللبناني الشيعي موسى الصدر، حيث لم تكن المعارضة العراقية في حاجة الى دعم زعيم ليبيا، غير ان الشبوط وجد في الزيارة فرصة للمرائية والظهور بمظهر أحد زعماء المعارضة، ناهيك عن سيلان لعابه للدولارات التي كان يمنحها القذافي لمتملّقيه. واثناء ذلك، كان الرجل عضوا في تنظيم “جند الامام” المنشق عن حزب الدعوة بزعامة عزت الشابندر، حين ترأس وقتها جريدة “البديل الاسلامي” بدمشق، لكنه، في خطوة انقلابية على اسلاميي المعارضة العراقية، انضم الى الجلبي، وصار رئيس تحرير جريدة “المؤتمر”.

وجد الشبوط في التغيير في العراق فرصة سانحة لتحقيق طموحاته، فدخل العام 2003، مع جي غارنر، ككادر إعلامي برئاسة عماد الخرسان، مسؤول اعمار العراق وقتها، الذي كان ينسق الاجندة الاعلامية مع الامريكان، والذي اشترط على الشبوط التفرغ للعمل الاعلامي، وعدم الدخول في أي مشروع سياسي.
وشتان بين ثرى الشبوط، وثريا الاهداف الوطنية التي تبناها، ذلك ان وصولية الشبوط، ونكثه بالعهود جعلته يتجاوز الخرسان، فاتصل بالجهات الامريكية، باعتباره زعيماً لحزب إسلامي للحصول على التمويل والدعم المادي، وحين علم الخرسان بذلك، طرده شر طرْدة.

يَعْلَمُ الرجل من أين تؤكل الكتف، – يقول عارف ببواطن أمور الشبوط – فحين استنفد اغراضه مع الامريكان، تملق الى اصحاب الشأن لإدارة جريدة “الصباح”، حيث فشل في ادارتها كما توقع المسؤولون الذين نصّبوه، لكنهم آثروا منحه الفرصة من جديد، وحين فاحت رائحة الفساد والاختلاس، جراء سوء ادارته واستغلاله لمنصبه الذي احاطه بثلاثة نساء في أروقة الجريدة، اضطر رئيس الوزراء في وقتها ابراهيم الجعفري الى طرده في ليلة ظلماء، ما اثّر ذلك حتى على علاقته بأسرته بعدما عرفت زوجته مغزى الطرد.
وتقول السيرة الحياتية للشبوط انه من مواليد الكوت في محافظة واسط العام 1949، غادر العراق للمرة الأولى 1967 الى الكويت التي بقي فيها ثمان سنوات، ثم بدأ سلسلة هجرات أخرى قادته في نهاية المطاف الى بريطانيا مروراً بسوريا ولبنان، شارك خلالها في اصدار عدة صحف مثل “الجهاد” العام 1982، في طهران، و “البديل الإسلامي” العام 1985، ثم “المؤتمر” في لندن، ومجلتيّ “الإسلام والديمقراطية”، “الأسبوعية” في العراق بعد العام 2003 .وأدار في الكويت، العام 1994 مع البعض من معارضي صدام، تنظيماً سرياً مهمته التنسيق مع المعارضة العراقية في الخارج، لأسقاط نظام حكم الرئيس صدام حسين.
لا يهتم الشبوط كثيرا بمظهره، مفضلا اطلاق لحيته البيضاء في اغلب الاحيان، عازفا عن ارتداء ربطة العنق، الا ما ندر، لكن يقض مضجعه عدم نعته بـ”المفكر”، وأحد “اساطين ” الاعلام، فيما تشير مقالاته الى معالجات براغماتية للحدث السياسي، يسعى فيها الى ابراز قدراته المعرفية والتحليلية، فمازال الى الان، يسعى عبر افتتاحيات في جريدة “الصباح” الى تسويق نفسه باعتباره المعبّر عن وجهة نظر سياسة الحكومة بصورة غير مباشرة، عبر عمود يومي يفتقر الى العمق الدلالي.

وربما فكّر الشبوط، كحاطب ليل، ان نهاية مشواره مع “الصباح “، هو وقت الرحيل من العراق، على أمل تجدد الفرصة ثانية في تحقيق ما عجز عنه، فعاد الى قواعده في الكويت ولبنان ولندن.
ومن الكويت، سعى الرجل الى ذرُّ الرماد في العيون، فانقلب كعادته الى خصم كاسر، للعملية السياسية في العراق بعدما وجد لنفسه عملاً متواضعاً في صحيفة “الوطن”، منتقما من نفسه ومن سياسيين وقفوا في وجهه، فكتب مقالا حمل عنوان “رئيس الوزراء لا يقرأ ” متهما مستشار المالكي الاعلامي آنذاك ياسين مجيد، بحجب الرؤية عنه.
وفي ذلك الوقت، ايضا ترأس تحرير مجلة “الاسبوعية”، واثناء ذلك اشيع عنه علاقته العاطفية المشبوهة مع فتاة لبنانية، اسمها (أيمان إ)، شوهدت وهي تحتضنه في اكثر من موقف في المطار واماكن أخرى، بحسب صديق قديم له في بيروت.
لكن الشبوط لم يرجع بخفّي حُنين، وبعد انتهاء الولاية الاولى للمالكي رتّب أوراقه من جديد، متزلفا لدولة القانون، وموهِماً أصدقائه القدامى بقدرته على حصد اصوات محافظة واسط جميعها لكنه فوجئ بنتائج خيّبت بوصلة احلامه، فعاد الى عادته الى التوسل بجهات القرار في الحصول على منصب تنفيذي، حتى أنتهى المآل بعطف المالكي عليه عبر تعيينه عضوا في مجلس امناء شبكة الاعلام العراقي بواسطة من ياسين مجيد.
ونقل مصدر مطلع على تحركات الشبوط، انه في الوقت الذي كان يتنقل فيه بين الكويت وبغداد، لغاية اقالة عبد الكريم السوداني من رئاسة الشبكة في 2011، حيث اصبح رئيسا من بعده، بعد منافسة مع سالم مشكور، تودّد الى عضو دولة القانون، علي الشلاه للتوسط لدى رئيس الوزراء، متعهداً بعدم تكرار تجربة السوداني المريرة مع المجلس، ومؤكدا توبته في ان يعود إسلاميا وينظف تاريخه النسائي، وان لا يصفّي حسابات شخصية مع خصومه من الاعلاميين، لكنه استغل انشغال المالكي بمشكلة الهاشمي وفصلهما.
وامعانا في إهانته طلب منه أحد مستشاري رئيس الوزراء، هو “ابو مجاهد” تقديم برنامج حواري في “العراقية” يدعم المالكي حيث قدّم حلقة منه لينال الرضا.
ومثلما هو متوقّع لشخصية وصولية مثل الشبوط، فان وعود الليل يمحوها كرسي السلطة الذي حصل عليه ليعود لصناعة امجاده من جديد من خلال ادعاءاته بان منصب رئاسة الشبكة قد فُصّل وفق مقاساته حتى من قبل سقوط النظام، لكن غاب عن الشبوط ان كتابة مقال بسيط لا يعني النجاح في ادارة مؤسسة اعلامية كبيرة وشاشات تلفزيونية في عصر الـHD حيث ظلت شاشة “العراقية” باهتة، وخارج اطار التطورات التقنية المتسارعة، ما اثار أداء الشبكة المتواضع انتقادات كثيرة.

أثار الخلل الكبير في اداء عمل الشبكة، رئيس مجلس الامناء حسن سلمان، ما دعاه الى مخاطبة رئيس الوزراء، حول دلائل سرقة وهدر ملايين الدولارات بين عقود المسلسلات الركيكة التي يمنحها الشبوط لشركات يديرها بعثيون وبين شركة “فورتريز” اللبنانية التي جدّد لها الشبوط عقد بيع اعلانات الشبكة لثلاث مرات متتالية وبدون منح اي فرصة لأية شركة عراقية للدخول في المزايدة مقابل عمولات طائلة كشفها سلمان مؤخراً في ملفات ارسلت للنزاهة وما زالت قيد التحقيق.

واذا كانت الكثير من ملفات فساد الشبوط خافية، فان عاصفة مقطع الفيديو الفضائحي للشبوط مع موظفة، كشفت بالدليل القاطع، خرْق الرجل لأخلاقيات المهنة، وتمرّده على القوانين، والقيم المجتمعية، لاسيما وان الموظفة تصغر الشبوط بنحو خمسين عاما.
الى ذلك فان اغلب العارفين بخصال الشبوط يؤكدون ضعفه امام النساء، على رغم زواجه من امرأتين الاولى في بريطانيا مع أولادها واحفادها، والثانية في الكويت مع أولادها وهي اصغر منه بنحو الثلاثين عاما، يزورها بين الفينة والاخرى.
لم تمر فضيحة الفيديو مرور الكرام، ذلك ان الجهات العليا تدرك المدى الذي اوغل فيه الشبوط في الفساد، فأجّلت حسم الموقف الى ما بعد الانتخابات بعد توسلات الشبوط في حفظ ماء وجهه المسكوب. ومنذ تلك اللحظة، تفرّد رئيس الشبكة في القرار،، في سعيه الى اقصاء كل الذي يشك في ولائهم، بعدما اتسعت دائرة الريبة بكل من حوله، مكثرا من الندوات حول “انتهاك الخصوصية”، ومتّهماً مجلس الامناء بالعمل ضده في سلسلة مقالات كتبها باسمه المستعار “صميم العراقي” الذي دأب على النشر في صحف مختلفة، بينها صحيفة منح الشبوط مالكها عقدا بمليوني دولار لإنتاج احد المسلسلات التي تنوي العراقية انتاجها في رمضان المقبل.
مازال الشبوط يعتمد في بقاءه في الواجهة الاعلامية، واحتكار منصب رئيس الشبكة، على انتهازية المواقف السياسية، فمن مجلس المالكي الى مجلس بيان جبر ليهمس في اذن الاخير “انني معك لو حصلت على رئاسة الوزراء”، متذرعاً بعدم قناعة حزب الدعوة بمواقفة السابقة، وان كفاءته واهليته الاعلامية تفرض نفسها عليهم، كما يفعل ذات الموقف المتزلف مع الاكراد حيث قدّم لهم خدمات هامة بإلغائه قناة “العراقية الكردية” ليحجب صوت الحكومة الاتحادية عن المشاهدين الاكراد ويمنح الفرصة لوسائل اعلام “الحزب الديمقراطي”، لتشويه صورة الرئيس المالكي، بالإضافة الى قيامه بمنح اذاعة “المدى” التابعة لفخري كريم ترددات تابعة لشبكة الاعلام العراقي، بتعاقده معها على استئجار “مرسلات” تابعة للشبكة في عدد من مدن العراق، نهاية العام الماضي.

واكثر من ذلك، بحسب خبير اعلامي، حَرَمَ الشبوط متابعي دوري الاندية الكروية العراقية من الاستمتاع بمشاهدة المباريات، بانسحابه من مزايدة نقل مباريات الدوري لصالح قناة “ايوان” الكردية، تاركا لها فرصة التفرد بنقل المباريات، بصورة حصرية، وكان ثمن ذلك عمولة مالية ملأت جيوب الشبوط.

هكذا، اذن يشكّك المعارضون بصدقه، فيصفونه بانه “بلا مبدأ”، مثلما لا يمكنك معرفة لونه الحقيقي، المتبدّل مع كل فصل، فلا يتردّد في سكْب ماء وجهه امام الجميع، ما جعله لا يتورّع من نشر اعلانات لمقدمة برامج اثيرة على قلبه، في عشرات الصحف فلم يستثن منها صحيفة “الشاهد” سيئة الصيت التابعة لخميس الخنجر، أحد ممولي القنوات المحرّضة على العنف الطائفي مقابل ملايين الدنانير كثمن لتلك الاعلانات لشراء ولاء الصحيفة واسكاتها عن انتقاء الاداء المرتبك للشبكة.

ولم يسْلم مكتب “العراقية” في لندن، من استغلاله لمنفعته الشخصية بعدما حوّل له العام الماضي، نحو خمسين ألف دولار، تحت ذريعة تأثيث المكتب، نصفها ذهبت الى رصيده الشخصي، و عيّن احد المتملقين مديراً له ليكون واجهة للتغطية على توظيف ابنته في المكتب براتب ضخم. وحين عوتب على ذلك، قال “لست وحدي مَنْ فعل ذلك”.
وليس هذا سوى غيْض من فيْض، حيث تورّط رئيس الشبكة، بشراء طابعة ألمانية “حديثة” بأربعة ملايين دولار لصحيفة “الصباح”، لكنه استلمها “مُستعملة” لا يتجاوز سعرها المليون، فيما ذهب بقية المبلغ الى جيوبه في العادة، مثلما فعل ذلك مع المسلسلات الدرامية مثل “امام المتقين” و “فرقة ناجي عطالله”.
هكذا اذن، هذا “الشبوط” الذي يتقلّب في عباب بحر الفساد بخفة ورشاقة، و بالوان الكتل السياسية الفاعلة، فمرة في اقصى اليمين واخرى ينسحب الى اقصى اليسار ن ولسان حاله يقول “لم تبق لي المصلحة من صديق”.
وبين دهاليز السياسة، ينخرط العجوز المراهق، في مغامرات بين فتيات بعمر احفاده وعمولات لن يسعفه العمر لصرفها.
لكنه يبقى، كما هو في النهاية عارياً أمام رياح الحقيقة التي تعرّي المواقف مهما خفيت، ليبقى هذا المسؤول الاعلامي في النهاية، معلّقا من ياقته في قرار مجلس امناء شبكة الاعلام بإزاحته، والعالق في مكتب رئيس الوزراء بانتظار المصادقة عليه، حيث لم يترك له الحبل على الغارب، ليصبح بعدها أثراً سياسياً بعد عيْن، عفا عليه الدَّهر.

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.