العراق… ثانياً من حيث نسبة العنوسة في العالم العربي

بغداد/ ايناس طارق

 

رقم مخيف عن نسبة العنوسة في العراق ، ذلك الذي نشره موقع ” إذاعة هولندا العالمية ” في تقرير موسع عن العنوسة في الوطن العربي، إذ جاء فيه أن فلسطين سجلت أقل نسبة عنوسة على المستوى العربي، إذ لا تتعدى النسبة 7%، أما أعلى نسبة ففي لبنان، حيث تصل 85% ويأتي كلّ من العراق وسوريا في المرتبة الثانية بنسبة 70%. إذن …. نكتب اليوم عن ظاهرة العنوسة التي باتت تقلق الفتيات ، لنتعرف معاً عن سبب هذه الظاهرة وكيفية وضع الحلول لها للتقليل من آثارها الاجتماعية ، وذلك من خلال اللقاءات التي أجريناها مع عدد من الفتيات والمتخصصين، فلنقرأ معا:

أخيراً … قررت نهلة (40 عاما) التخلي عن فكرة الزواج ، وبالتالي أخذت (تحويشة العمر) لاستثمارها في شراء قطعة ارض سكنية.

و”نهلة” هذه كانت قد رفضت منذ أن عُينت كاتبة في احدى الوزارات عشرات الطلبات التي تقدم بها شبان للزواج منها بذريعة ان “الوقت مازال مبكراً” لتتحمل هي مسؤولية بيت وأطفال.

الآن بعد العقد الرابع لم يعد احد يطرق بابها ، وصارت تنظر الى طلبات الزواج منها بانها ذات دوافع مالية وطمعا براتبها ، كما انها تظن ان الزوج القادم يريد عقد صفقة من اجل البيت الكبير الذي ورثته عن والدها كما يريد منها الاستيلاء على رصيدها في البنك.

كيف أعيش ما قبل الموت؟
قصة نهلة ليست الوحيدة من بين المئات من قصص الفتيات ( اللائي فاتهن قطار العمر) ولكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد حيث وجدنا ان العنوسة بين الفتيات ايضا اصبحت هاجسا مخيفا ويدق ناقوس الخطر ولابد من ايجاد حلول لها وباسرع وقت ممكن حيث تقول سارة محمد التي دخلت العقد الثالث من عمرها وهي لم تزل جليسة البيت لعدم وجود وظيفة بعد اكمال دراستها الجامعية انها تنتظر نصيبها في الزواج الذي تأخر ما جعلها هذا الأمر تشعر وتعيش هاجس العنوسة اضافة الى ان عائلتها دائما تشعرها بأنها أصبحت عانساً ومن يطرق بابها للزواج اصبح حلماً ، فهي لا تخرج من البيت الا للضرورة وتختم سارة حديثها معلقة… كيف أتصور أنني سأعيش بقية عمري من دون أنيس ولا ذرية صالحة، لينتهي كل امتداد لي في الحياة بمجرد موتي؟ وإذا رأيت من يعجبني من الرجال، فهل يمكن تحريك الأمور بطريقة ما احافظ بها على كرامتي ليخطبني؟ فمن الصعب الان أن أضع يداً على يد، على أمل أن يأتيني النصيب! ومن الصعب أيضا أن أرى نظرات الازدراء والشفقة من الغير نحوي بعد ان اصبحت احمل صفة (العانس).

لا أرغب بالزواج لأن الرجل يطمع براتبي
أما إسراء صلاح موظفة قالت : لا أُريد الزواج فالرجل الان لا يُعتمد عليه في اكثر الامور ولا يتحمل المسؤولية وجل ما يرغب به هو البيت والاطفال ولا يفكر في مشاعر الزوجة وانما يجعل من الزواج اكمال ومكمل لمسيرة حياته ،اذ ان فكرتي للزواج هي الاستقرار ووظيفتي تجعلني اتجاوز اوقات الوحدة واحيانا نخرج مجموعة من الصديقات لقضاء اوقات ممتعة، وتستدرك اسراء في حديثها قائلة :الزواج الان وحسب الاوضاع التي نعيشها غير صحيح ولن يدوم طويلاً لانه زواج مصلحة فقط اي ان الرجل العاطل عن العمل او غير موظف في اي وظيفة حكومية يبحث عن شريكة حياته بان تكون موظفة حتى يضمن استمرار الراتب الشهري ان فقد عمله في القطاع الخاص وهذه معادلة مع الاسف عند الكثير من الشباب الان يعتمدها في الزواج وهي ان نجحت فهناك مشاكل لا تنتهي بين الزوجين مستقبلاً.

ما فائدة الزوج وهو لا يتحمل المسؤولية؟
بينما نجد رأي صبا مسلم التي دخلت في العقد الثالث مخالفاً لما ذكرت سارة واسراء حيث قالت: إحساس الفتاة بالعنوسة صعب جدا وانا وبكل صراحة انتظر فرصة الزواج والرجل المناسب او الجيد للارتباط به ولكن مع الاسف يأتي من هو متزوج ويريد الزواج مني لان زوجته مريضة او أرمل ، ولا اخفي سراً حين أقول: إني أعرف امرأة كانت عانساً وترغب في الزواج، وذهبت إلى ( الخطابة) لكي تبحث لها عن زوج مناسب، وربما انا سافعل مستقبلا مثلها لان كلام الناس لا يرحم والفتاة ان لم تتزوج تتحطم حتى ان كانت موظفة ولديها راتب فما فائدة المال من دون راحة نفسية واستقرار عائلي وحتى الاخوة والاخوات لا يتحملون الاخت العانس ويعاملوها كانها

نكرة ويجب اخفاءها عن انظار

العالم خوفاً من سماع الكلام غير

اللائق .

التفكك الأسري والتهجير
اما الباحثة الاجتماعية غنية سالم استاذة في كلية التربية فقالت: العنوسة اصبحت مشكلة وليست ظاهرة والسبب وبكل صراحة زيادة عدد النساء على الرجال ،بسبب كثرة الحروب والحوادث فضلا عن ضعف حال الرجال ماديا ،جعل الرجال هم من يعزفون عن الزواج لعدم استطاعتهم تحمل المسؤولية من بناء عائلة واسرة متكاملة ،اضافة الى ان عوامل التفكك الأسري والتهجير الطائفي للمجتمع العراقي في الآونة الأخيرة زادت من حالات العنوسة وعدم اختلاط فئات مع فئات اخرى والزواج بينها زاد من حده هذه الظاهرة الخطيرة ، واشارت سالم في حديثها قائلة :الموضوع بحاجة الى دراسة جدية متكاملة تشترك فيها منظمات المجتمع المدني ووزارة التخطيط والمرأة من اجل ايجاد حلول لهذه المشكلة وباسرع ما يمكن والوقوف على اسباب الطلاق الذي شارك ايضا في زيادة العنوسة للطرفين لان الخوف من نسب الطلاق المرعبة في المحاكم المدنية العراقية جعل اغلب الشباب يرفض الزواج .

نساء يُفضـِّلن لقـب عانس
نقول: إن عدم قبول معظم النساء من الزواج من شخص متزوج لم يزل يعــد سببا كبيرا في العنوسة، وقد سرى العُرف بأن لكل رجل زوجة واحدة في مجتمعاتنا، وهناك نساء تفضل ان تبقى عانساً على ان تكون زوجة ثانية .

كما ان مراحل التفكك الأسري للمجتمع العراقي بدءأ من الحرب العراقية – الايرانية واستمر حتى سقوط النظام في عام 2003 ومن ثم الاحداث الطائفية والتهجير القسري والحوادث الامنية التي تحصد يوميا العشرات من المواطنين كلها اسباب زادت من هذه الظاهرة، ومن احد الاسباب ايضا ان الاقتصاد في البلد والتعليم والمؤسسات العلمية أصابها الركود والتفكك ما أثر سلباً على الفرد العراقي، وان زيادة أعداد العاطلين دفع بالشاب العراقي إلى فقد السيطرة على أعصابه أمام متطلبات العائلة التي لا تنتهي، والشي المهم والاساس بعض الفتيات يرفضن ان يصبحن ‘زوجة ثانية’ ويفضلن البقاء طوال حياتهن ‘عوانس’ على ان تشاركهن في ازواجهن نساء أخريات. اما البعض الآخر فيجد انها افضل وسيلة للهروب من لقب ‘عانس’، والبحث عن رجل يحميها ويوفر لها الراحة والأمان.

العنوسة نعمة من الله
بينما عبير ناصر في العقد الرابع تقول :أنا في الاربعينات، ولكن لا أعد تأخر زواجي مشكلة ، اذ بعد فترة من الزمن، أصبحت لا أسمع من المتزوجات إلا التذمر والشكوى من أزواجهن وأنانيتهم؛ بعد هذا تغيرت نظرتي، وصرت أنظر إلى هذا الموضوع بإيجابية أكثر، فأقول: لعل العنوسة نعمة من الله.. ولكن دائما اهمس مع نفسي قائلة : حتى إذا عملت وشاركت وساهمت، فأنا أريد أن أعود للبيت، وهناك من ينتظرني.. فكم جميل ابتسامة طفلي ونظرته لي وكم من معنى جميل لوجود شريك حياتي معي ، مع أن الحياة فيها الحلو والمر، لكن يظل اسمه بيتي وزوجي واولادي .

اما نور البالغة من العمر العقد الثاني فقد علقت قائلة :عندما انظر الى بعض قريباتي وصديقات أخواتي أُصاب بخيبة امل وافكر مع نفسي بان حالي سيكون بالمستقبل مثلهن ،مجرد هذا التفكير هو مدمر وقاتل لكن افضل من الزواج من رجل لا يتحمل المسؤولية ويبدأ بالتذمر من الحياة العائلية ولا يبحث عن عمل وان كان يعمل لا يريد ان يكون مسؤولا اضافة الى تدخل الاهل والاقارب في اختيار العروس ، والعكس زاد من الطلاق وسبب خوف الارتباط للكثير من الشباب وتبقى الفتاة هي مخيرة ان تأخرت في الزواج وفاتها القطار فتضطر للقبول بأي شخص حتى ولو كان متزوجاً ، وأنا أفضِّل أن أعيش بمفردي وأعتمد على نفسي أفضل من أن أكون على ‘ضرة’ ومهما كانت الظروف لا يمكن أن أقبل بأن أكون زوجة ثانية.

الأهل وتدخلاتهم
لكن وراء هذا كله، فالناس تبحث على ميزات معينة: كالمظهر والشكل والمادة.. فالناس بتفكيرهم هذا، هم يخلقون مشاكل العنوسة لبعض البنات.. أو حتى بعض المرات الأهل يرفضون الرجل الذي يتقدم لابنتهم لأسباب غير واقعية ويجعلون الفتاة تنتظر اجلها وليس موعد زواجها بسبب طلباتهم غير المعقولة وحتى بالنسبة الى الشاب اصبح يفضِّل عدم الزواج على ان يكون محور مشاكل وتدخل عائلته في حياته ومن ثم النهاية بالطلاق .

بينما علق علي صالح معاون قضائي في تصريح لـ (المدى) قائلاً: الاسباب كثيرة منها عدم وجود وسيلة عيش كريمة مثل التعيين في الدوائر الحكومية وليس هنا قصدنا إذ ان من لا يملك راتبا حكوميا لا يتزوج ، اذ حتى العمل المؤقت فالكثير من الشباب عاجز عن ايجاده وهذا ما زاد عدد العاطلين عن العمل اضافة الى كثرة طلبات الزوجة واهلها في الوقت الحاضر وانتشار ظاهرة الاستقلالية في بيت بعيدا عن عائلة زوجها وهذه الشروط تعــد تعجيزية لأغلب الشباب المتوسط في مستواه المادي … إذن عدم قدرة الشاب على تلبية تلك المطاليب جعله لا يفكر بالزواج وهذا يزيد من نسبة العنوسة ، كما ان من يملك المال يبدأ بالبحث عن بدائل تجعله بعيدا عن الزواج وبناء اسرة بالمقابل نجد ان الفتاة يسيطر عليها التأمل بايجاد الرجل المناسب والعمر يمضي مما يؤدي الى العنوسة والندامة بعد فوات الفرصة بالزواج !

ومن أسباب الطلاق نستطيع ان نقول انها كثيرة منها الزواج غير الملائم والوعود الكاذبة من قبل الزوج والزواج التقليدي مثل بنت العم لا تأخذ إلا ابن العم وكذلك التعصب وقلة الثقافة للجانبين والسبب الأهم هو تدخل والدة الزوجة بحياة الزوجين وتشجيع الأم لبنتها عدم طاعة زوجها وهذه الامور جعلت من العزوف عن الزواج ظاهرة كبيرة ومنتشرة في العراق.

اما المعاون القضائي سنان علي فقد أدلى هو الآخر برأيه فقال: هناك اسباب عديدة لهذه الظاهرة منها ما هو واضح ومعروف واكيد سبق وان ذكر من قبل الكثير ممن أخذت آراؤهم والسبب الأساس هو ان الشباب عاطلون عن العمل وكثرة الطلبات الزوجية وغلاء المعيشة والاوضاع الامنية السيئة اضافة الى عدم وجود توافق فكري،يضاف اليه بعض التقاليد العائلية بمعنى اكثر وضوحا انه توجد عائلات تطلب مطالب كثيرة مادية وتكاليف تعــد كبيرة على من يريد الارتباط بزواج تقليدي كما ان هناك بعض العوائل ترفض العروس التي يختارها الزوج وتبدأ المشاكل بان يرفض الشاب الزواج والارتباط الا بالفتاة التي اختارها وهكذا يكون السبب هو العزوف عن الزواج قائما حتى اشعار آخر.

علم الاجتماع
واكد الاستاذ المساعد الدكتور عبد الزهرة عباس آل ماجد مدير اعداد المعلمين/ الرصافة الاولى أن هناك اسبابا عديدة لانتشار ظاهرة العنوسة بين الشباب منها الجانب المادي اولا والبطالة اضافة الى قلة توفر اماكن السكن وارتفاع الايجارات وسرعة الخطوبة ومن ثم الطلاق بوقت قصير هذه الامور ولـَّدت صدمة نفسية عند الكثير من الشباب يضاف اليها عاملا مهما واساسيا وهو التطور والانفتاح على العالم اذ جعل من السهولة معرفة العلاقات الجنسية وابعادهما عن العلاقة الطبيعية لانها غير مكلفة اقتصاديا كما ان ضعف الوعي الديني بين الشباب له تاثير كبير جدا في الابتعاد والعزوف عن الزواج .

منظمات المجتمع المدني
واخيرا أكدت السيدة دلال رئيسة منظمة فاطمة للمرأة عن اسباب العزوف عن الزواج في تصريح لـ (المدى) قائلة :ان الظروف الاقتصادية للشباب اضافة الى العرف الاجتماعي في بعض انواع الزواج مثل النهوة حيث لا يسمح للفتاة ان تتزوج من خارج العشيرة لتبقى عانسا من دون ان يُعرف مصيرها مستقبلا ، والعائلة تتجاهل احساسها ومشاعرها ،فضلا عن كثرة الحروب التي مر بها العراق كلها اسباب خلفت آلاف الشهداء والايتام والارامل اضافة الى قلة اعداد الرجال قياسا بالنساء ما زاد ذلك من اسباب العنوسة ، والعنوسة ليس فقط للبنات والارامل ايضا انما المطلقات ايضا يعتبرن عوانس ، واشارت دلال في حديثها قائلة زيادة العنوسة للفتيات غير الموظفات اصبحت كبيرة جدا وحاليا ينتشر في العراق الزواج المبكر والطلاق المبكر هو سبب رئيسي لهذا العزوف ايضا عن الزواج اضافة الى الفروقات الاجتماعية والثقافية التي تعــد من أسباب الطلاق أيضاً .

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.