عندما ينوب الرصاص عن قلم الرصاص

 

بدأ مشواري الدراسي معي بابتسامة حنونة، له علاقة لصيقة بي في حياتي و في حياة الآخرين، أحببته و قدرته كثيراً بادرني بتصرفاته نفس الشعور، ساعدني في الأجابة على أسئلة الإمتحانات، ولإرتباطهما بعلاقة ود فقد كانت شنطتي المدرسية تخجل الظهور بدونه، حرصت على الحفاظ عليه في داخل علبة في الشنطة كي لا يتأثر بالتأثيرات الخارجية

إنه قلم الرصاص، الذي نكهته لا تقل عن نكهة القهوة البرازيلية.. إن صح التعبير.. لمن يحب شرب القهوة، تطور الحال وأقتنيت قلماً بحبر جاف مخزون في جوفه، توالت المفاجئات عليّ، ولم يبق الحال كما هو، حصلت على هدية.. قلم باركر.. بحبر سائل، تمتعت بحرية لا مثيل لها في الإختيار بين اللونين الأزرق والأسود متى ما شئت، أنها نوع من الديمقراطية الفردية في الإختيار بين لونين من الحبر!!!!!!، مرّت الأيام وأنتهت المراحل الدراسية، لم أكن ناكراً للجميل، أحتفظت بتلك الأنواع الثلاثة من الأقلام كرد الجزء اليسير من الجميل، علما بأن القلم أساس كل شي في حياتنا، فمن يستطيع الإستغناءعنه؟، كان كالظل الخفيف الذي يلازمنا ويعطينا القوة والأمل في الحياة
كنا نعيش البساطة في كل شيء، نفرح لأي شي جديد ولو كان بسيطاً، مرت الأيام وتغير الحال، تلك الهدايا العادية صارت قيمتها لاتذكر، تغيرت المفاهيم، صارت هويتها عدم إحترام القلم، ساد العنف أضمحل مفهوم البساطة و طلب العلم، لقد أهين العلم بكل مستوياته ومراحله، تغير الشعار ولم يعد الشعار السائد…القيام للمعلم وقفة تبجيلاً بل أصبح ذليلاً، الأمور دُرست بإتقان لتفريغ المجتمع من محتواه، ولإدخال مفاهيم جديدة لا تتناسب مع طبيعة مجتمعاتنا
أستُبدل القلم الرصاص بالرصاص، كنا نعلم أنواع و أصناف الأقلام، والآن يمكن لأغلب أفراد المجتمع معرفة تفاصيل وأنواع الرصاص دون معرفة أبسط تفاصيل الأقلام، لقد ساد العنف وتم قتل البراءة، تحولت الضحكات البريئة الى بكاء قاتل، ترسب القهر في قاع القلب وكوّن طبقة لا يمكن إزالتها بسرعة، كنا لا نتحمل فقدان الأقلام، واليوم يتم فقد كل شئ، كم من أم فقدت أعز ما تملك أمام عينيها، كم من حبيب ينتظر حبيبته وكم طفل ينتظر والدته كي تجلب له ما يسد رمقه، وكم من خطيب ينتظر خطيبته، فبقى الحبيب بإنتظار من يحب، والطفل قضى نهاره وليله بمعدة خاوية من أي نوع من أنواع الطعام، كل هذا بسبب شيوع ثقافة الرصاص التي سرقت كل هذه الأحلام
هنالك فرق بين الحالتين، الأولى تخص قلم الرصاص الذي نبغاه الا الذين يكرهون العلم والمعرفة، والثانية تخص الرصاص الذي لا نريد سماع صوته الا الذين لا يعرفون معنى الإنسانية، بكل أسى لقد تقلصت الحالة الأولى أمام الثانية، بات الفكر الدموي سائداً و أصبح المجتمع لا يعرف سوى القتل والأخذ بالثأر، لا لشي سوى لترسيخ مفهموم الدمار
كيف يُبنى مجتمع، إذا كان فرد يبني وعشرة يهدمون، كيف يُنشر التسامح بين الناس لو كان أحدهم يقول عفا الله عما سلف وعشرة يجري الإنتقام كالدم في عروقه، نسير في نفق مظلم، أو بالأحرى جعلونا نسير فيه لأهدافهم الخاصة، إن أصعب شئ في الحياة هو إن لم تكن مخيراً، أنه عكس الفطرة ولكسر هذا المفهوم ليس عليك سوى الوقوف عكس التيار وعندئذ سوف تدفع ما تملك ثمناً لهذا الموقف، أو تتبع خطواتهم الشيطانية لتنال من انسانيتك قبلهم
أمامنا فرصة كي نغير الواقع.. أقصد العقول النيرة.. وهذا يتطلب مجهوداً كبيراً وصبراً عظيماً، ولكن يجب علينا أن نعمل ونغير، لأن الجمود من خصائص المستنقعات أو المياه الراكدة، فمن المعيب أن نقارنها بالعقول الراجحة
نحن لا نحتاج ولا أبناءنا ولا أحفادنا الى الميليشيات التي تتعامل بالرصاص بقدر حاجتنا الى ميليشيات تتعامل بالقلم والعلم والمعرفة، ما سمعت عن جلب الرصاص لمستقبل مشرق لأي مجتمع بل العكس هو الغالب، ما من ناقوس يُسمع دقته الا إذا كان الخطر يحيط بذلك المكان، فنحن نسمع كل يوم دقات النواقيس دون الشعور بها.

علي كركوكي

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.