الصدر الثاني شهيد بحجم الوطن

وَلَـوْ أَنَّ الحَيَـاةَ تَبْقَـى لِحَـيٍّ لَعَـدَدْنَـا أَضَلَّنَـا الشُّجْعَـانَـا وإِذَا لَمْ يَكُـنْ مِنَ المَـوْتِ بُـدٌّ فَمِنَ العَـارِ أَنْ تَمُـوتَ جَبَانَـا .

المتنبـي

ربما لا نكون منصفين لو لم نتطرق الى جذر الشهادة الاول والذي انبت هذا النسغ الكبير فمنذ الجريمة الأولى في تاريخنا المعاصر والمتمثلة بخطف مؤسس حركة الحرية في لبنان السيد موسى الصدر والذي نقل ابناء المذهب المظلومين والمتعالي عليهم من الدرجة الدنيا الى اعلى مراتب الشرف والقوة والحرية في لبنان فامتدت يد الجريمة لاغتيال موسى الصدر لوأد اهدافه السامية قبل انطلاقها لكن يد الله كانت فوق ايدهم, وذاك موسى الصدر شامخا شريفا وذاك معمر القذافي شريدا كجرذ حقير.
اما صدرنا الاؤل باقر ففي يوم شهادته دمعت السماء وقطر الدم فوق يد جلاديه كمحرقة وفي ذكرى استشهاده سحل الصنم ودقت ساعة التشرد والاهانة والذلة لجلاديه فبعد الشهادة العظيمة للصدر الاؤل توالت انتصارات الشعب على ذاته المستكينة فبعد اغتيال وسجن الكثيرين ممن ساروا على درب الحرية المرسوم بدقة الشهادة و قد استطاع ثلة من الاؤلين ان يهربوا من المذبحة المدججة بالسلاح والدعم الكبير ليواصلوا مسيرة الدرب الموسومة بالشهادة والتضحية فتوج كل هذا الموت والاستنكار بانتفاضة عارمة في شعبان من عام 1991 صرخت بوجه الطاغية لا للظلم والعزة للشهداء ولا زعيم الا الحكيم ذلك الشهيد الذي كان خير خلف للشهداء ونال عزته حين استشهد بعد ان حرر العراق وبكى تحت ثرى جده الامير

اما صدرنا الثاني تلك الروح الثاقبة التي قالت كلا في زمن كثرة النعم والذي لبس كفنه منذ ان دق اسفين الثورة بوجه الظلم فلم يك الا بطلا مغوارا سار بين الصفوف متقدما مسح على رؤوس الفقراء في زمن العنجهية انتشل الدين من براثن الارض الضائعة, خلق جيلا وهابا معطاءا من اجل العقيدة والمبدأ, توغل في قلوب المساكين والمهمشين فوحدة الصرخة بوجه الظالم والشيطان وقالها بملأ الفم والصوت صدى (كلا كلا للشيطان) وهل كان هناك شيطان غير صدام ، فداس على ارض صلبة واطلق العواصف التي زلزلت اركان الطاغية فذاب في حبه المعذبون والمشردون والشهداء فلم يحسن شيئا غير العطاء اللامحدود عطاء في العلم وفي الاخلاق وفي نكران الذات وتوجه بالشهادة العظيمة هو وقمران زاهران من ابنائه على يد لا تحترف الا الغدر والجريمة وهي نفس اليد الاثمة التي قتلت اهله من قبل.
فقد كانت تلك الجريمة في يوم19 من شهر شباط عام 1999 وقد كنا وقتها نتوسد المنفى ونبكي الوطن فجائنا الخبر الحزين كالصاعقة ان

وا شهيداه وا صدراه فبكت الجموع المنفية بدل الدمع دم لتمتزج دموع المنفيين بدموع اخوتهم في الداخل ليكونوا الما بحجم العراق فبأفول ذاك النجم الساطع عن الحياة افل امل الحرية معه فكان ابا روحيا وعمليا لمعظم حركات التحرر انذاك فقد اسس واستنهض روح الثورة الجديدة فقامت حركات نوعية في زمنه اهمها ضربة المقبور عدي بيد ابطال من حركة 15 شعبان ومباركة ودعم مباشر من الشهيد الصدر الثاني شخصيا وهذا كان مدعاة لعودة الامل بالخلاص من الظلم والظالمين بعد ان دب اليأس في نفوس بعضنا لاننا شعب اعزل امام عدو مدجج بالسلاح والدعم الدولي وما آخر انتفاضة لنا اعني الانتفاضة الشعبانية في الـ 91 لخير مثال لذلك.
حين سمعا الخبر في سويسرا تقدم الشهيد علي العضاض ابن مدرسة الشهداء بطلب للسلطات المختصة بالسماح بتنظيم مظاهرة امام مبنى الامم المتحدة في جنيف للتنديد بالفعل الاجرامي الذي قام به صدام بفعل اغتياله المرجع الصدر الثاني

فلبينا النداء وتحركنا من مدينة زيورخ في سويسرا ومن كافة المدن السويسرية الاخرى وهتفنا امام مبنى الامم المتحدة بسقوط صدام وارهاب صدام والتنديد بجريمته الاخيرة بحق الشعب العراقي كله

لان الصدر الثاني كان للجميع لكن هل نكتفي بذلك ( كلا ) تلك الـ ( كلا ) التمردية المستمدة من روحه الطاهرة اختزلت كل مضارب الظلم والتوق الى الحرية .

فانبريت ولي الشرف الكبير بان اطلب من المتظاهرين ان نذهب الى ممثلية المجرم صدام في جنيف وكان رئيس بعثتها المقبور برزان التكريتي ” بسكسوكته المقرفة “

فقفزت على ناصية الطريق الاخر المؤدي الى الممثلية والتي تبعد مئات الامتار عن الساحة المجتمعين فيها
فكان هناك اعتراض… بان هذا الفعل غير قانوني ولكني بحرقة الفاقد لعزيز كبير صرخت بوجه الاعتراض وهل عبدالله اوجلان اكبر من شهيدنا حيث تم اعتقال الزعيم الكردي عبدالله اوجلان من قبل السلطات التركية فى كينيا ضمن عملية مشتركة بين قوات وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية “CIA” ووكالة الاستخبارات الوطنية التركية “MIT”

وقد قام بعض مناصريه في الكثير من الدول الاوربية بحرق انفسهم اعتراضا على اعتقاله تزامنا مع جريمة اغتيال شهيدنا الكبير ومن هنا صرخت بوجه المعترضين على الذهاب الى الممثلية:

” ان اعتقلت او ضربت او قتلت او صورت وذهبت عائلتي كلها فداء فما وفيت حق الشهيد لانه كان املنا في الخلاص فكل يوم يقتل احبابنا ونحن نقف مكتوفي الايدي وهذه فرصتنا لنعبر عن موقفنا “

فالتحق بي مباشرة الصديق قاسم المرشدي ومن ثم شقيقي محمود و نضال الحار والشيخ الشيباني وتوجهنا نحو الممثلية واذا بمجموعة اخرى من المتظاهرين تنظم الينا فيما رفض البعض الاخر من اللحاق بنا واستمر في الاحتجاج والتنديد في الساحة المقابلة للامم المتحدة وما ان وصلنا الى مبنى الممثلية الصدامية تسلق شقيقي” محمود” سارية العلم وانزل العلم الصدامي ومزقه وبدا الهتاف الجبار ضد الطاغية واعوانه بحرقة الالم الصادر من ارواحنا المجروحة

وقد توعدنا برزان التكريتي ومن معه بالموت والويل والثبور
لكن اه من تلك اللكن فقد كانت الابواب موصدة بقوة لم نستطع الولوج الى داخل المبنى فبقيت الحسرة لحد اللحظة تكمن في صدري ماذا لو كانت الابواب مفتوحة ؟

فاتصلوا بالشرطة فطوقت الشرطة المكان بعد ان اتت الصحافة وبالتالي اثر تلك الخطوة نشرت في الاعلام العالمي للتعريف بهذا المصاب الكبير الذي حل على العراق رغم كثرة مصائبه ففرقتنا الشرطة ورجعنا نلملم الحزن المسكوب كمدرار ولنتوسد الليالي الحزينة عن شهداء واجهوا الظلم بقوة الروح .

سردت هذه الحادثة التاريخية التي كان لنا الشرف الكبير في القيام بها استذكارا للروح الملهمة للشهيد الصدر الثاني ولاعلام اخوتنا في داخل العراق باننا لم نكن بعيدين عنكم وعن اهاتكم لاننا انتم وانتم نحن .
وكما قالوا “نادرا ما تظهر الحقيقة ان لم يتم البحث عنها ” ولروح الشهيد الصدر الثاني محمد صادق الصدر ومن سار من قبله ومن بعده على نفس خطاه العزة والرفعة والخزي والعار للقتلة الغدرة من البعثيين ومن ازرهم بالكلمة والمال والسلاح وعلى راسهم الطاغية المقبور صدام .

احمد طابور
ahmed.taboor@gmail.com

 

صورة من التظاهرة- جنيف 1999

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.