علي شريعتي وأقطاب التشيع العلوي والتشيع الصفوي (الحلقة الرابعة)

د . علي شريعتي وأقطاب التشيع العلوي والتشيع الصفوي

(الحلقة الرابعة)
قراءة في كتاب ” التشيع العلوي والتشيع الصفوي “

ان الشر الكبير الذي يواجه الحركات والنهضات السياسية والقومية والاجتماعية ( الدينية – المذهبية ) والثوار والثورات هي وصولها الى نقطة الحد الأقصى (Maximum) في الخط البياني منذ النشوء حتى النمو على حد تعبير شريعتي. وعند الوصول الى هذه النقطة، تكون تلك الحركة او النهضة قد تجاوزت العقبات والعراقيل التي عادة ما تعترض طريق اية حركة جديدة وبعد ان تكون قد حطمت اثناء فترة نضالها الكثير من المفاهيم والقيم لتأتي بدلا عنها بمفاهيمها وقيمها ورؤاها عند وصولها للسلطة. وعندها تكون الحرب، حسب قول، شريعتي، قد وضعت اوزارها وانطفأت جذوة التغيير ولم يعد ثمة ما يقف في طريق الثائرين، حينها تبدأ الحالة الثورية بالضمور تدريجيا الى ان تتلاشى نهائيا بعد ان يترك الرجال (خندق المعارضة الى فندق السلطة) (1). وسيمارس هؤلاء ومن أجل الحفاظ على امتيازاتهم الجديدة نفس اسلوب النظام الذي سبقهم في قمع المعارضين لهم وان كانوا في خندق المعارضة سابقا، ويتهموهم بالخيانة اذا ما اختلفوا معهم في الرؤى. وتبقى الديموقراطية كنظام للحكم هي العلاج الحقيقي الذي لم يتطرق اليه شريعتي لانها تتقاطع مع الرؤية الاسلامية للحكم الذي يعتبر الاسلام مصدر التشريعات والحاكمية لله. فالرؤية الاسلامية هي على نقيض من الديموقراطية حيث الشعب مصدر التشريعات والسلطات.
وبعد ان يورد شريعتي بعض الامثلة ومنها انهيار الزرادشتية بعد ان تطورت من دين ضعيف اثناء العهد الاشكاني الى دين سلطة اثناء العهد الساساني، وبعض الامثلة عن الحركات التحررية في العالم قبل انهيار الاتحاد السوفيتي الذي اصبح نظام حكم يمارس القمع ضد مناوئيه، يصل الى التشيّع كحركة تحولت الى نظام مشيرا الى ان مقارنته للتشيّع مع الامثلة التي اوردها وتناولها من الناحية الاجتماعية فقط وليس من الجوانب (الفلسفية والكلامية والفقهية والاصولية ، وغير ذلك) (2) ، ليقول :” اذن للتشيّع حقبتان تاريخيتان، بينهما تمام الاختلاف. تبدأ الاولى من القرن الاول الهجري، حيث كان التشيّع معبراً عن الاسلام الحركي في مقابل الاسلام الرسمي والحكومي الذي كان يتمثل بالمذهب السني. وتمتد هذه الحقبة الى اوائل العهد الصفوي، حيث تبدأ الحقبة الثانية والتي تحول فيها المذهب الشيعي من تشيّع حركة ونهضة الى تشيّع حكومة ونظام” (3). وعندما تكون هناك حكومة ونظام ومصالح نخب سياسية يجب الحفاظ عليها، تكون هناك وسائل قمع جسدية وفكرية وتكرس الحكومة والنظام الجديد كل الامكانيات في المجتمع من اجل غسل ادمغة الناس، وهي بذلك لا تختلف في ممارساتها عن السلطة التي سبقتها بشيء، بل قد تكون اسوأ نتيجة تطور ادوات القمع والتضليل في عهدها عن سابقه .
لقد تحوّل التشيّع بعد ان كان مضطهدا ولا يمارس اتباعه طقوسهم بحرية، بل وكانوا يتعرضون للقمع اذ ما مارسوها بشكل علني، الى قوة كبرى بعد قيام الدولة الصفوية في العام 1501، حيث اصبح التشيّع مذهب الدولة ويمسك بزمام السلطة ليتحكم بالاجهزة الرسمية وغير الرسمية. وأصبح الحاكم الذي كان يقمع الشيعة ويلاحقهم ويقتلهم في الامس، من اكبر المدافعين عن التشيّع والولاء لأهل البيت (حتى انه يفتخر باعتبار نفسه “كلبا للأمام رضا”- “سگ امام رضا”. ويا له من انتصار كما يقول شريعتي . ويضع هذا الحاكم نفسه نعليه على رقبته ويقصد على قدميه للزيارة من اصفهان الى مشهد حيث ضريح الامام الثامن عند الشيعة. يا له من انتصار . وهو نفس الحاكم الذي يشيّد مراقد ائمة اهل البيت بأبهى صورة حيث القبة من الذهب، والضريح من الفضة والمأذنة من السيراميك … يا له من انتصار. إن الزيارة التي كانت حلما عند الشيعي اصبحت مظهرا رسميا تشجعه الدولة وتكرم فاعله كما لو كان قد حج بيت الله الحرام وربما افضل من ذلك …. يا له من انتصار. أما العلماء ورجال الدين فهم معززون مرفهون مكرمون يعيشون في ظروف جيدة للغاية ويجلسون جنبا الى جنب السلطان على مقعده الوثير. وقد يستشيرهم في كثير من الامور المتعلقة بمستقبل البلاد. بل ان السلطان لا يرى في نفسه القدرة والسلطة الا بمقدار ما يخوّله رجل الدين بالنيابة عن الامام صاحب الزمان .. يا له من انتصار.(4)
من هنا برأي شريعتي، بدأت هزيمة التشيّع وتحوّلت الحركة الى نظام اجتماعي رسمي مرتبط بمصالح النخبة السياسية والدينية ارتباطا وثيقا حيث لا يمكن الفصل بينهما. وهنا يكمن الخطر عندما يتحوّل “التشيّع” من ثورة على صعيد الفكر والايمان الى دراسة احكام الشك في الصلاة والوضوء والحيض وليقضي الشيعي نصف عمره في التمرن على القراءة الصحيحة مع ضبط مخارج الحروف حسب رأيه .
يعتبر علي شريعتي من المفكرين والسياسيين الايرانيين القلائل الذين نظروا الى الصراع العثماني الاوربي نظرة مغايرة مقارنة ليس بمعاصريه فقط ، بل وبالذين سبقوه ولليوم ايضا. فقد تجاوز شريعتي الحالة المذهبية التي صبغت هذا الصراع منذ نشوء الدولة الصفوية حتى الغاء نظام الخلافة بقرار من اتاتورك في آذار / مارس عام 1924، من خلال اعتباره الصراع العثماني الاوربي ، صراعا بين الاسلام والمسيحية. ولذا ومن خلال هذه الزاوية كان على الدولة الصفوية، حسب اعتقاد شريعتي، ان تقف الى جانب العثمانيين في ذلك الصراع، او على الأقل التزام الحياد في أسوأ الحالات من وجهة نظره .

لقد كانت الدولتان الصفوية والعثمانية ولعقود طويلة تخوضان صراعاً مستمراً ان لم عسكريا ففكريا. ووظفت كلتا الدولتان الكثير من المال والجهد لاثبات احقيتهما في الحكم على اساس الدين الاسلامي. ولا زال وحتى اليوم ينظر الكثير من الشيعة الى الدولة العثمانية كدولة طائفية ساهمت مساهمة كبيرة في قمع الشيعة ومذهبهم، خصوصا في المناطق التي كانت تحت سيطرتهم ، وهذا ما نستطيع ان نلمسه في قراءة محايدة لتاريخ الدولة العثمانية وكيفية تعاملها ليس مع الشيعة فقط بل ومع ابناء الشعوب والقوميات غير التركية وكذلك اتباع الديانات الاخرى من غير المسلمين من الذين كانوا يعيشون تحت حكمها. الا ان شريعتي لم يكن يهمه ذلك الصراع المذهبي بين الشيعة والسنة متمثلا بالدولتين الصفوية والعثمانية، بقدر ما كان يهمه الصراع العثماني الاوربي الذي هو صراع بين الاسلام والمسيحية، معتبرا الدولة العثمانية مركز الثقل الرسمي للمحور الاسلامي بينما يتركز مركز الجبهة المسيحية في اوربا ؟، فيقول:”لقد تمكنت الامبراطورية العثمانية من توحيد مختلف الاقوام والاجناس تحت راية الاسلام وشكلت منها كيانا سياسيا عسكريا منسجما، وأخذت بزمام ذلك الكيان العظيم . ولا ينبغي الشك هنا في ان الحكومة العثمانية كانت حكومة فاسدة ولم تكن تليق بحمل وسام الحكومة الاسلامية، اذا ما قارنا ممارساتها بمباديء الاسلام وقيمه الرفيعة، إلاّ اذا كان القياس والمقارنة ينطلقان من منظار كونها دولة تقف بوجه الاستعمار الغربي المسيحي الطامع بابتلاع الامة الاسلامية”(5) .
أن شريعتي اعتبر مهاجمة الصفويين للعثمانيين ومباغتتهم من الخلف حينما كان العثمانيون يحققون الانتصارات المتتالية لدحر القوات الغربية ، بأنها كانت (لحظة لهجوم غادر).(6)
واعتقد ان التطرق الى نشوء الدولة الصفوية قبل السفر مع شريعتي في كتابه هذا امر ضروري ، خصوصا وان اصل العائلة الصفوية قد شابه الكثير من الشك. فهناك من اعتبرهم من اصول تركية وأخرين من اصول كردية فيما يحاول بعض المؤرخين الشيعة اعتبارهم عرب من اهل البيت!! .
يعتبر القوميون الايرانيون الدولة الصفوية التي تأسست في العام 1501م اهم دولة ايرانية جاءت بعد الاحتلال العربي “الاسلامي” لايران خلافا لدول تأسست قبلها كالصفاريين والسامانيين وآل بويه والسربداران. فالدولة الصفوية هي الدولة الوحيدة التي استطاعت ان تبسط نفوذها ولاول مرة بعد الاحتلال العربي “الاسلامي” قرابة 500 عاما على كامل التراب الايراني ولتصل الى الحدود التي كانت عليها الدولة الساسانية. كما وانها قامت رسميا بتبني المذهب الشيعي كمذهب للدولة.

يقول الباحث الانكليزي Roger Savory في كتابه “ايران في العصر الصفوي”، أنه ليس هناك اي شك من ان للعائلة الصفوية جذور ايرانية وليس تركية مثلما يقال. وهناك احتمال كبير من ان العائلة جاءت من كردستان، وهاجرت بعدها الى مقاطعة آذربيجان حيث تعلمت التركية بلهجة تلك المنطقة قبل ان تستقر في مدينة اردبيل. فيما يقول المستشرق الروسي فلاديمير مينورسكي ان منطقة آذربيجان تحوّلت الى مركز للصفويين القادمين من مدينة اردبيل، الا ان العائلة الصفوية جاءت من مناطق اخرى تتحدث احدى اللغات الايرانية.
وحاول البعض من المؤرخين ارجاع اصل العائلة الصفوية الى جذور عربية وتحديدا هاشمية، معتمدين على كتاب صفوة الصفا لابن بزّاز وهو من مدينة اردبيل. وهناك العديد من الباحثين يعتقدون ان الكتاب المشار اليه تم تأليفه في عهد الشيخ صفي الدين اسحاق، وهو الجد الخامس لاسماعيل الصفوي مؤسس الدولة الصفوية. وعليه فان الشكوك لازالت قائمة حول تكليف الكاتب لربط اصل العائلة الصفوية بآل البيت خصوصا بعد تشيّع الايلخانيين المغول في تلك الفترة. ويكمن السبب في محاولة تعريب الاسرة الصفوية واختيار الامام موسى الكاظم كجد اعلى لهم هو صبغهم بصبغة دينية تمنحهم الحصانة بين مريديهم في عالم السياسة لانهم من سلالة آل البيت، تماماً كمحاولة صدام حسين رسم شجرة عائلته وادّعاء انحدار نسبها من آل البيت. ولازال الكثير من علماء ومؤرخي الشيعة يصرون على عربية وهاشمية العائلة الصفوية، ومنهم الشيخ محمد جواد مغنية اذ يعرّف اسماعيل الصفوي على انه : (اسماعيل بن حيدر بن جنيد بن صفي الدين الذي ينتهي نسبه الى الامام موسى الكاظم) (7).
وعودة لبداية تأسيس الدولة الصفوية ومواجهتها للدولة العثمانية سياسيا وطائفيا وكرد فعل للمظالم التي تعرض لها الشيعة لقرون عديدة، فقد شَهَر الصفويون سيوفهم منادين بالثأر من السنة. وكان (القزلباشية) الصفوية يجولون في الشوارع والطرقات منادين باللعنة على ابي بكر وعمر. وكان على المارة ترديد اللعنة هذه والا فان الحراس يغرزون حرابهم في صدر من يرفض ” لاخراجه من حالة الشك والتردد ” (8) . وقد قتل خلال تلك الفترة الالاف من الابرياء نتيجة الجهل والتعصب الطائفي، الذي استثمرته المؤسسة الدينية والقوى السياسية التي تناغمت معها، وليتحوّل الصراع الفكري الى صراع سياسي بين فئتين كامتداد لصراع سياسي قديم. ولكن هل أن ظهور نزعة الانتقام من السنة في ايران ، قد رافقها ظهور نفس النزعة في الاناضول ام لا ؟. الجواب نعم ، فالملالي السنة ووقوفا ضد الحركة المنادية بإبادة السنة في ايران، كانوا يجيّشون البسطاء من الناس للدفاع عن الاسلام وسنة نبيه!، حيث يرتقي احدهم المنبر “ويشّمر عن ساعده الى المرفق ويغمرها في قارورة مملوءة بـالشيرة (سكر مذاب في الماء باللغة الفارسية)، ثم يخرجها ليغمرها في قارورة اخرى مملوءة بالذرة ويخرجها مرة ثانية ويتوجه الى مخاطبيه بالقول كم من الذرة علقت في يدي هذه ؟”. وعندما تنتاب الحيرة الحاضرين في الجواب لكثرة العدد، يضرب صاحبنا ضربته بعد ان نجح في التأثير نفسيا عليهم فيصدر فتواه (بأنّ من يستطيع أن يحظى برافضي ويقتله فأن نصيبه من الحسنات سيكون بقدر الذي علق بساعد الملا). وعلينا ان نتخيل هنا مدى الوحشية التي غرزها الملالي في نفوس البسطاء، والتي اخذت طريقها في حملات ابادة يندى لها الجبين من قبل الطرفين تجاه بعضهم البعض .

(1) التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي ص 56 “
(2) ” المصدر أعلاه ص 63 “
(3) ” نفس المصدر ص 63 “
(4) ” نفس المصدر ص 64 “
(5) ” المصدر السابق ص 67 “
(6)  ” المصدر السابق ص 72 ”
(7) ” الشيعة في الميزان ، محمد جواد مغنية ص 346 “
(8) ” التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي ص 75 “

زكي رضا
الدنمارك
5/11/2014

” قراءة في كتاب التشيع العلوي والتشيع الصفوي “1

قراءة في كتاب ” التشيع العلوي والتشيع الصفوي “2

د . علي شريعتي وأقطاب التشيع العلوي والتشيع الصفوي3

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.