علي شريعتي وأقطاب التشيع العلوي والتشيع الصفوي (الحلقة السادسة)

د . علي شريعتي وأقطاب التشيع العلوي والتشيع الصفوي

(الحلقة السادسة)
قراءة في كتاب ” التشيع العلوي والتشيع الصفوي “

الشعوبية الصفوية
لقد أُطلق مصطلح الشعوبية لاول مرة على حركة ظهرت بوادرها ابّان العصر الاموي، وظهرت للعيان ابّان العصر العباسي. إذ كان معتنقيها يرون ان لا فضل للعرب على غيرهم من العجم، مستندين إلى آيات قرآنية صريحة كما جاء في سورة الحجرات :” جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم “، وحديث النبي محمد :”لا فرق بين عربي أو اعجمي الا بالتقوى”. وناضل معتنقو هذه الحركة دوماً من أجل الغاء الفوارق بينهم كشعوب مضطَهَدة تحت حكم الاحتلال الاسلامي ” العربي ” الذي عاملهم كرعايا في بلدانهم، على خلاف ما جاء في القرآن او على لسان محمد. واختلف المؤرخون والمفسرون العرب في تعريف الشعوبية، فمنهم من عرّف الشعوبية بأنها حركة “تبغض العرب وتفضل العجم” كالقرطبي ، او”هم الذين يصّغرون شأن العرب ولا يرون لهم فضلا على العجم” كالزمخشري في اساس البلاغة. وقد جاء في القاموس المحيط :”الشعوبي بالضم محتقر امر العرب وهم الشعوب”. اما الموسوعة البريطانية فأنها عرّفت الشعوبية من انها كل اتجاه مناوئ للعروبة. ويعتبر شريعتي من اوائل المفكرين الايرانيين بل وابرزهم في تحديد اسس دعائم الحكومة الصفوية، عندما اشار الى تزاوج المذهب الشيعي بالقومية الايرانية، عن طريق توظيف المشاعر والشعائر الشيعية واستثمارها في تعزيز الروح القومية الايرانية، والتي ادت حسب رأي شريعتي الى اخراج ايران من الجسد الاسلامي ، الذي كان يمثله العثمانيون باسم الاسلام، لتخوض بعدها الدولتان معارك ضارية .

لقد عمل الصفويون جاهدين على ربط الاسرة الصفوية بالاسرة الهاشمية وتحديدا آل البيت. ولم يجدوا مدخلا لهذا الانتماء (القسري) الا من خلال معركة القادسية ليربطوا من خلال نتائجها، كما سنرى لاحقاً، مصيرهم بمصير الامامة عند ثاني اكبر طائفة في الاسلام وذلك عن طريق المصاهرة بين العائلة الساسانية الفارسية حسب قول للنبي محمد كما يدّعون : “اختار الله من العرب قريش ومن العجم فارس”!!، او قولاً للامام السجّاد يقول فيه:”انا ابن الخيرتين”، بل وحتى شعراً ينسب إلى الاسود الدؤلي يقول فيه مادحاً الامام السجّاد:

وان غلاماً بين كسرى وهاشم      لأكرم من نيطت عليه التمائم  (1)
لنأتي الان الى البحث عن اساس هذه المصاهرة مستخدمين المنطق والتاريخ في الوصول الى نتائج تقرّبنا من الحقيقة. ولا يهمنا هنا ان كانت هذه الحقيقة مقبولة من البعض دون الاخر، لان من ابرز سمات البحث العلمي في التراث الشيعي وفق شريعتي هو كثرة النقد والاشكال والاعتراض على الافكار المختلفة عند البعض، كما وان التاريخ علّمنا دوماً ان البحث المستمر والعلمي يصطدم باستمرار باراء وافكار تعيش على نكرانها للحقائق او زوغانها عنها.

لقد اثبتت جميع المصادر التاريخية تقريباً على ان ولادة الامام الحسين (ع) كانت في 3 شعبان سنة 4 للهجرة، وان معركة القادسية جرت في 13 شعبان سنة 15 للهجرة في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب. وهذا يعني ان سن الامام الحسين كان يوم المعركة تلك 11 عاماً و10 أيام حسب التقويم الهجري القمري. وقبل ان ندخل في حيثيات زواج الامام وولادة ابنه علي (ع) الملقب بالسجاد والذي عن طريقه امتزج الدم الهاشمي مع الدم الساساني الفارسي كما يُروى، دعونا ان نعرف شيئاً عن “عروس المدائن كما يسميها شريعتي”؛ اي جهان شاه بنت يزدجرد الثالث” آخر ملوك فارس.

يروي العلامة المجلسي في (بحار الانوار) اخباراً مثيرة للغثيان (حسب شريعتي) حول زواج الامام الحسين (ع) من ابنة يزدجرد. فهو يدّعي أن الامام الحسين قد اعجب بالاسيرة الفارسية وتزوجها وهي التي انجبت له الامام السجاد، وهو الوحيد من الذكور الذين نجا من معركة كربلاء، ومن خلاله استمرت الامامة حتى الامام الثاني عشر. ولكن شريعتي وهو الباحث عن الحقيقة نراه هنا مستخدماً اسلوب الشك والمحاججة المنطقية للوصول الى تلك الحقيقة. فالمجلسي يقول ان ابنة يزدجرد كانت من سبايا القادسية اللواتي جاء بهن الجيش المنتصر الى المدينة، وما ان رأت الفتاة الخليفة عمر بن الخطاب حتى سبّته وشتمته فسبّها هو ايضاً وأمر ان تباع في سوق الجواري ليعترض الامام علي (ع) عليه بالقول ان بنات الملوك لا تباع وتشترى وان كانوا كفاراً. واشار علي إلى عمر ان يزوجها رجلاً من المسلمين ويدفع صداقها من بيت المال. وبعدها يروي المجلسي رواية منقولة عن الامام الصادق حول حوار جرى بين الامام علي والاسيرة الساسانية اضافة الى حضور فاطمة الزهراء لادخال كنتها الى الاسلام بعد ان دخل الرسول محمد (ص) قبلها القصر الساساني ليعقد بين الاميرة الساسانية وابنه (الامام الحسين). كل هذه الامور هي غير منطقية وغير مقبولة جاء بها المجلسي والكافي وغيرهما. وقد اعترض شريعتي على ما نقله المجلسي وغيره بأسئلة اعتراضية استخدمت المنطق والشك ليتساءل ونحن معه عن جملة من الامور سنلخصها بالتالي :
بداية يطالب الامام علي (ع) الخليفة الثاني بتزويح الاميرة الساسانية لرجل من المسلمين. ولكن الزواج تم للامام الحسين (ع)، علماً ان الامام كان حينها غلاماً. ولو قبلنا يهذه الواقعة فاننا سنكون امام اشكالية اخرى “وفق شريعتي” وهي ولادة الامام السجاد (ع) والتي جاءت في الخامس من شعبان سنة 38 للهجرة؛ اي بعد ما يقارب 23 عاماً، 20 عاماً عند شريعتي” من زواج الامام. وهذا يعني ان الاميرة لم تنجب ابنها الا بعد مضي ما يقارب 25 عاماً. الا ان المجلسي كما يقول شريعتي حاول ترقيع هذه المشكلة بالقول “انّه ليس من المستبعد ان تكون كلمة (عمر) الواردة في الرواية تصحيفاً لكلمة (عثمان) فيكون الزواج قد تم في عهد عثمان وليس في عهد عمر!) (2) . وفي الواقع، وفق شريعتي، فان هذه الادعاء اذا تم القبول به فاننا سنكون امام اشكالية اخرى اكثر احراجاً من ذي قبل، وهو طول الفترة الزمنية بين اسر البنت وزواجها. فهل كلمة القادسية مصحفة ايضاً؟!. وفي مكان آخر يعمل التراث الشيعي الصفوي على غاية واضحة هي اقحام الامام علي (ع) في حوار لا يقبله المنطق ولا العقل ولا حتى الغيب. كيف؟…
يقول المجلسي في “بحار الانوار” نقلاً عن الامام الصادق (ع) ان حواراً جرى بين الاميرة الاسيرة وبين الامام علي (ع) على الشكل التالي :  (3)
فقال الامام علي (ع) چه نام داري اي كنيزك؟ يعني ما اسمك يا جارية؟!
قالت: جهان شاه.
فقال: بل شهربانويه.
قالت : تلك اختي.
قال: ” راست گفتي” صدقت…!

يقول شريعتي في رده على هذه الفرية ان ناقل الخبر ولو فرضنا معرفة الامام للغة الفارسية قد فاته ان الامام “حسب الحوار اعلاه” كان يتحدث الفارسية باللهجة الدرية وهي لهجة محلية لاهالي خراسان وهي التي يتحدث بها اليوم الافغان الناطقين بالفارسية، في حين ان الاسيرة كانت تتحدث باللغة الفارسية البهلوية. كما وان كلمة “كنيزك”، حسب شريعتي كانت من الاصطلاحات الرائجة في زمان الراوي لا في زمان الحدث. كما يبدي شريعتي دهشته حول الحوار، فلماذا كان الامام “عربي” يتحدث الفارسية الى الاميرة ” فارسية ” التي تجيبه بالعربية؟!!.
هنا قد يبرر البعض طريقة الحوار بدعوى ان الاسيرة وهي اميرة وبنت ملك، وتعيش في عاصمة مملكة ابيها (طيسفون – المدائن) التي تقع على تخوم اراض يعيش فيها العرب المناذرة. وربما أن الاميرة قد تعلمت اللغة العربية وهذا ليس ببعيد، وان الامام علي يعرف الغيب “حاشا الامام” وبذلك أحاط باللغة الفارسية، وهذا ممكن ايضاً!. ولكن الاشكالية التي سنقع فيها بسبب أصحاب هذا الرأي هو اذا كان الامام يعلم الغيب وتعلم اللغة فلماذا اخطأ باسم الصبية قائلاً لها شهربانويه بدلاً من جهان شاه!؟. اعتقد ان الهدف من كل هذه المحاورة هو حشر الاسرة الساسانية في علاقة نسب ومصاهرة مع الهاشميين، وما لهذه المصاهرة من أثر كبير سيترجم لاحقاً بولادة شاه جهان لصبي واحد هو الامام السجّاد والذي من خلاله سيبقى الدم الساساني خالداً مع حفيد السجّاد حتى إلى المهدي المنتظر. هذا الشكل من اشكال الشعوبية يطلق عليها شريعتي مصطلح الشعوبية الصفوية. لقد تمكنت الصفوية من توظيف المشاعر الصادقة للشيعة في ايران لترسيخ حركة شعوبية عزلت ايران عن باقي العالم الاسلامي بواسطة “رجال دين” كانوا على استعداد لتنفيذ كل ما يطلبه الحكام منهم لانتاج التشيّع الصفوي من المادة الخام الاصلية والنقية اي التشيّع العلوي. ولم يكن الاتراك ببعيدين عن هذا التوجه وتغذيته عن طريق “رجال دين” تدفعهم السلطات في اتجاه انتاج تسنن تركي يشوّه قاعدة التسنن المحمدي الاصيل لتحقيق الاهداف القومية التوسعية للأتراك.

لقد حرص الصفويون، كما يقول شريعتي، على تضييق دائرة المشتركات وتوسيع دائرة الخلافات لعرقلة اجتماع المسلمين – شيعة وسنة- حول شعيرة واحدة، وقاموا في الوقت نفسه بتحريك ماكنتهم الدعائية ضد التسنن التركي حتى وصل الامر بهم باتهامهم للتسنن غير المحمدي طبعاً ، باخفائه عمدا آيات من القرآن الكريم فيها مدح للامام علي. وهذا يعني ان القرآن الذي بين ايدينا، هو قرآن ناقص ومحرّف “حسب شريعتي”، وان القرآن الاصلي كان بحوزة الامام علي ليورثه من بعده باقي الائمة المعصومين، وهو الان بحوزة الامام المهدي. وعلى غرار الصفويين فان وعاظ سلاطين الباب العالي كانت لهم فتاواهم التي تنال من الشيعة وتنتقص من اسلاميتهم، عندما كانوا يفتون بجواز زواج المسلم بالمرأة “الكافرة” من اهل الكتاب، وتحريم زواجه من المرأة الشيعية !!.
أن الصراع السياسي والعسكري بين الصفويين والعثمانيين كان بحاجة إلى آيديولوجية مذهبية لمواجهة كلاً منهما الاخر. وهذا ما دفع بالصفويين الى تأسيس وتبني تشيّعا بعيداً كل البعد عن التشيّع العلوي؛ أي التشيّع الصفوي. واعتنق العثمانيون تسنناً خاصاً بهم أيضاً وبعيداً كل البعد عن التسنن المحمدي حسب وجهة نظر شريعتي. وهكذا أفرزت المواجهة بين الدولتين من الدين الاسلامي الواحد ديانتين مستقلتين متخاصمتين. وخير دليل على صحة وجهة نظر شريعتي في هذا الجانب هو أستمرار الصراع الشيعي الصفوي والتسنن العثماني وما نتج عنهما من كوارث خلال العقود اللاحقة، هذا الصراع الذي اتخذ لاحقاً منحى أكثر قسوة على طريق صراع لا نهاية له على المدى المنظور. ومما كرس هذا المنحى هو وجود نصوص قرآنية قد تم تفسيرها حول حتمية أستمرار الصراع بين الفرق الاسلامية. فقد قام غالبية مفسري القرآن بتفسير الآية التي تقول: ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون ) لصالح هذه الفكرة. إذ أن النبي قال عندما وصل جبرائيل بالآية الى “عذابا من فوقكم” أعوذ بوجهك، وعندما وصل جبرائيل الى قوله ” أو من تحت أرجلكم ” قال النبي ثانية أعوذ بوجهك، وعندما وصل جبرائيل  الى “أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض “فقال النبي حينها هاتان أهون؟. من الواضح أن تفسير هذه الآية بهذا الشكل، قد أعطى ويعطي مادة دسمة وزادا لاينضب الى المتشديين من مختلف المذاهب الاسلامية وعلى الاخص الشيعة والسنة في أن يستمروا بصراعهم هذا حتى قيام الساعة.

في حديثه عن الحركة “الشيعية الشعوبية”، يحاول شريعتي كشيعي ملتزم أن يفصل مذهبه الديني عن المذاهب الاخرى، حيث يقوم بذلك عند تناوله نضال الشعوب المختلفة خصوصاً في العالم الثالث لنيل حريتها وترسيخ مفاهيم المساواة والعدالة متأثرة بالثورة الفرنسية وثورة أكتوبر ونضالها السياسي الاجتماعي في محاولة منها لوضع نهاية لمعاناتها المتجسدة بنظام الاستغلال الطبقي، وذلك من خلال وضع مفهومين شيعيين هما “الأمامة والعدل” بأعتبارهما ركنان اساسيان في هذا الصراع، متهماً المذاهب الاخرى بأنها غارقة في “عالم الروح وما وراء الطبيعة”، بعد أن يتهم طبقة من رجال الدين بمحاولتهم “سلب البعد الاجتماعي والتقدمي والحياتي” للأديان والمذاهب وذلك من أجل ضمان مصالحهم الطبقية وتأمين مصادر أرتزاقهم من السلطات الحاكمة” حسب وصفه. ومهما حاول شريعتي تبرئة المذهب الشيعي ورجال دينه من التهم التي طالت المذاهب الاخرى ورجال دينها، فأن المستقبل الذي لم يراه شريعتي أثبت بطلان أعتقاده هذا بعد أن أصبح المذهب الشيعي كما المذهب السني، مذهب دولة لها سلطة تعتمد أعتماداً كبيراً على رجال الدين الذين كما زملائهم السنة يحتكرون لأنفسهم فقط مهام تفسير الدين لصالح الطبقة السياسية الحاكمة التي يرون أنفسهم جزءً منها بل في مقدمتها. إن وجود رجال الدين هؤلاء في السلطة أو قرباً منها، جعلتهم أن يبتعدوا ومعهم مريديهم الذين يقودونهم لصالح مصالح سياسية عن أسلام علي وتشيّع علي ودين علي القائم على العدل والامامة كما يقول شريعتي. أن يأس شريعتي من ضياع عليّ الامام والانسان من خلال ممارسات التشيّع الصفوي جعلته أن يصرخ قائلاً: “أنت يا من تشم رائحة الخبز في يد الجياع كما تشم رائحة الله في المحراب، اليك أنت فقط ، أصرّح برغبتي العارمة بأن تعرف حقيقة ماذا يعني “عليّ” (5) . ويتحول يأس شريعتي هذا الى أحباط كبير عندما يجزم قائلاً :”ولكن هيهات، فأن أكسير الأستحمار الصفوي المشؤوم أستطاع أن يصنع من (الدم) (ترياقا) ومن (ثقافة الاستشهاد) (ترنيمة نوم)” .

زكي رضا

(1) ” التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي ص 124 “
(2) ” المصدر السابق ص 125 “
(3) ” المصدر السابق ص 126 “
(4)] ” قرآن كريم سورة الأنعام ص 65 “
(5) ” التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي ص 149 “
 

” قراءة في كتاب التشيع العلوي والتشيع الصفوي “1

قراءة في كتاب ” التشيع العلوي والتشيع الصفوي “2

د . علي شريعتي وأقطاب التشيع العلوي والتشيع الصفوي3

علي شريعتي وأقطاب التشيع العلوي والتشيع الصفوي (الحلقة الرابعة)

علي شريعتي وأقطاب التشيع العلوي والتشيع الصفوي (الحلقة الخامسة)

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.