قراءة في كتاب: آفاق العصر الأمريكي -السيادة والنفوذ في النظام العالمي الجديد

د. عبدالخالق حسين
صدر في أوائل هذا العام، 2014، كتاب بعنوان: (آفاق العصر الأمريكي -السيادة والنفوذ في النظام العالمي الجديد)، للدكتور جمال سند السويدي، وهو من الحجم الكبير، في 858 صفحة، وبإخراج جميل وورق صقيل، وطباعة أنيقة، وغزير بالعلومات. والمؤلف هو مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، وأستاذ العلوم السياسية في جامعة الإمارات العربية المتحدة، وخريج جامعة ويسكونسن الأمريكية،التي تعد من الجامعات الراقية، والتى حصل منها على درجة الدكتوراه فى العلوم السياسية، فى أواخر القرن الماضى.
يضم الكتاب بين دفتيه، تمهيد، ومدخل: (بنية القوى في النظام العالمي الجديد)، وسبعة فصول، وخاتمة، تليها الملاحق، والهوامش والمراجع، والفهارس، إضافة إلى جداول الإحصاءات، والبيانات وبالألوان، مع قرص مدمج بالصوت (Audio CD). وهو بحث علمي بكل معنى الكلمة، اعتمد فيه المؤلف على مئات المصادر والدراسات الأكاديمية الموثقة، واقتبس من مشاهير المفكرين والأكاديميين والسياسيين، أمريكيين وغير  أمريكيين، مع وضد أمريكا، وبلغة واضحة وبليغة وسلسلة، سهلة على الفهم، إذ كما وصفه رئيس مركز ابن خلدون، عالم الاجتماع المصري المعروف، الدكتور سعدالدين إبراهيم، في تقييمه للكتاب: أنه موسوعة، كتب بأسلوب السهل الممتنع.

ولا شك أن في عصرنا هذا لا يسلم الشخص الذي يتطرق إلى هكذا دراسة واسعة، وبمثل هذا العنوان (آفاق العصر الأمريكي)، من تهمة الترويج لأمريكا. إلا إن القارئ يُفاجأ عندما يواصل القراءة ليجد أن المؤلف ذكر لأمريكا ما لها وما عليها بروح حيادية وأكاديمية عالية دون أي تحيُّز. ولكن هل هو انحياز إذا ما ذكر المؤلف حقائق تؤكد إمكانات أمريكا الهائلة في مختلف المجالات، الاقتصادية والعسكرية والثقافية والعلمية وغيرها، تفوق إمكانات أقرب منافساتها مثل الوحدة الأوربية، وروسيا والصين واليابان مجتمعة؟
فنحن بلا شك نعيش في النظام العالمي الجديد، ذو القطب الواحد بقيادة أمريكا، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها. وفي هذا الخصوص يقول المؤلف عن بنية النظام العالمي الجديد: “ربما يكون سقوط جدار برلين في 9 نوفمبر 1989 بعد أكثر من 28 عاماً من بنائه، هو نقطة البدء في اتباع النظام العالمي الجديد، فقد أعيد توحيد ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية في دولة واحدة في 3 أكتوبر 1990، بعد أن قرر الشباب الألماني الشرقي التخلص من الدكتاتورية، والانطلاق نحو الحرية بالمفهوم الغربي، واستعادة دولته الموحدة، ثم جاء إنهيار الاتحاد السوفيتي السابق وتفككه في 25 ديسمبر 1991، لينهيا حقبة من نظام عالمي ثنائي القطبية، وقد واكب نهاية هذه الحقبة عام 1991، نهاية معجزة الاقتصاد الياباني ووراثة الصين بعد مذبحة ميدان تياننمن Tiananmen Square في الرابع من يونيو 1989، موقع اليابان كاقتصاد سريع النمو قائم على التصدير، وتمت صياغة معاهدة ماستريخت الموقعة في 7 فبراير 1992، لهيكلة الاتحاد الأوربي، وقيام التحالف الدولي الواسع تحت إمرة الولايات المتحدة الأمريكية الذي أجبر العراق على الانسحاب من الكويت وحررها في 26 فبراير عام 1991”. ( ص 42-43).

و الدولة العظمى، أمريكا، تنافسها دول كبرى مثل الوحدة الأوربية وروسيا والصين واليابان، ثم تأتي مجموعة الدول الخمس، الصاعدة التي تسمى اختصاراً:(BRICS)، وهي: البرازيل، وروسيا، والهند، والصين وجمهورية جنوب أفريقيا.
فليس انحيازاً إذا ما قال المؤلف أن أمريكا هي الدولة العظمى، مستنداً إلى حقائق وأرقام تؤهلها لهذه المكانة في قيادة العالم، والنظام العالمي الجديد، إذ يقول: ” تفوق أمريكا في مجال التعليم والثقافة: من خلال استقراء مؤشرات التعليم نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية لديها 83 جامعة من أفضل 400 جامعة في العالم، فضلاً عن عدد هائل من الكتب الجديدة التي يتم إصدارها كل عام، والتي يصعب مجاراتها. وتشير إحصاءات عام 2011 إلى أن عدد العناوين الصادرة للمرة الأولى في الولايات المتحدة الأمريكية بلغ 347178 ، بينما بلغ عدد الكتب الصادرة في جميع الدول العربية -22 دولة- نحو 15 ألف عنوان عام 2011، أما اليونان، التي أوردتُها هنا على سبيل المقارنة بحكم حضاراتها وتاريخها ووضعها الاقتصادي الحالي، فقد شهدتْ في العام ذاته صدور نجو 8333 عنواناً، وهذه الاحصاءات تكشف عن فجوة هائلة على صعيد المعرفة والثقافة ونشر الكتب بين القوة العظمى المهيمنة على النظام العالمي الجديد وبقية عناصر المقارنة.” (ص 57),

كما ويرى المؤلف أن المستقبل للديمقراطية، فبمقارنة بين عدد الدول الديمقراطية اليوم وما كان عليها قبل أربعة عقود، نعرف أن مسار التاريخ هو لصالح الديمقراطية، فيقول: “في عام 1977 كان هناك 89 بلداً تخضع لحكم استبدادي… ولكن بحلول عام 2011 اخفض العدد إلى 22 دولة فقط. واليوم يعيش أكثر من نصف سكان العالم في ظل حكومات ديمقراطية. كما أجريت في عام 2011 انتخابات ديمقراطية في 117 دولة من أصل 193 دولة، مقارنة بعام 1989، حيث جرت الانتخابات الديمقراطية في 69 دولة من أصل 167 دولة”. (ص 80)

يتسم النظام العالمي الجديد بدعم الديمقراطية والترويج لها وانتشارها، والتأكيد على مكانة الفرد والمجتمع  وحقوقهما، وفي هذا الخصوص يقول الباحث: “أما خلال النظام العالمي الجديد وتوجهاته الإنسانية وسعيه إلى الحفاظ على الحقوق القانونية للفرد والمجتمع، فقد تم إنشاء المحكمة الجنائية الدولية في 11 إبريل 2002 كهيئة مستقلة لا تتبع الأمم المتحدة، وهي أول هيئة قضائية تحظى بولاية عالمية، ولفترة زمنية غير محددة، وتخص بمحاكمة الأفراد المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية ضد الإنسانية، وجرائم الحرب وجرائم العدوان، وتعد الملاذ الأخير في المستويات القضائية للفرد والمجتمع في حالة صعوبة قيام المحاكم الوطنية بدورها…” (ص 112-113).

وبسبب التطور السريع في الثورة المعلوماتية والتقنية المتطورة في مجالي الاتصال الانترنتي، والفضائيات، وكذلك سهولة وسرعة التنقل والسفر بين الشعوب، فالعالم راح يتغير ويتطور، ولكن أمريكا وبحكم إمكانيتاها وهيمنتها في قيادة النظام العالمي الجديد لم تترك التطور يحصل بشكل طبيعي وتدريجي لا يلائمها. فيقول المؤلف: “… نلحظ أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تنتظر العالم ليتغير وفق منهج التدرج الطبيعي في التطورات والتحولات الاستراتيجية التي تؤثر في صياغة هذا العالم، بل سعت وفق خطة منهجية إلى صناعة العالم الذي تريده بعد أن استطاعت امتلاك القوة والقدرة والآليات اللازمة لصنع هذا العالم.” (ص125)
وهناك من يرى أن أمريكا في طريقها إلى أن تخسر مكانتها كدولة عظمى لتحل محلها الصين أو روسيا أو الوحدة الأوربية. هذه الرؤية في الحقيقة ما هي إلا من الأفكار الرغبوية أو التمنيات لدى خصوم أمريكا. فأمريكا تتفوق على منافساتها بفارق كبير، إذ يقول الباحث: “ويستشهد بعض الباحثين في البرهنة على التفوق الأمريكي أساساً باعتبارات اقتصادية، حيث يشيرون إلى الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي (15.685 ترليون دولار) يساوي تقريباً الناتج المحلي الإجمالي الصيني والياباني والروسي معاً (16.202 ترليون دولار)، كما ويساوي تقريباً الناتج المحلي الإجمالي للإتحاد الأوروبي (28 دولة) الذي يبلغ 16.641 تريليون دولار”. (ص 202).
وعلى ضوء هذه المعطيات، فكيف يمكن لمنافسات أمريكا أن تتفوق عليها، وهي الأخرى تحث الخطى في الحفاظ على مكانتها لتكون في المقدمة وفي مختلف المجالات.
 فالولايات المتحدة تحاول الحفاظ على تفوقها وخاصة في المجال العسكري، وفي هذا الخصوص ينقل لنا الباحث: ” إن الولايات المتحدة الأمريكية تحتفظ بتفوقها العسكري بفضل إنفاقها العسكري الضخم الذي يبلغ نحو 633 مليار دولار في عام 2014، ويمثل نحو 40% من إجمالي الإنفاق الدفاعي في العالم، وميزانيتها الدفاعية التي تقترب من ثلاثة أضعاف الميزانية الدفاعية لدول الاتحاد الأوربي مجتمعة (28 دولة) كما تبلغ أكثر من ستة أضعاف الميزانية الدفاعية للصين التي تحتل المرتبة الثالثة عالمياً بعد الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي في الانفاق العسكري”. (ص 217)

ويستشهد المؤلف بـ [فرانسيس] فوكوياما، أنه يرى “أن منطق السياسة الخارجية الأمريكي منذ اعتداءات 11/9/2001 قد وضعها في موقع تتحمل بموجبه مسؤولية حكم الدول الفاشلة، إذ اعتبر فوكوياما أنه برغم النفي الأمريكي المتكرر لأي توجهات إمبريالية، فإن الولايات المتحدة الأمريكية قد عبَّرت عن هذه التوجهات صراحة في خطاب الرئيس السابق جورج دبليو بوش (الابن) في كلية ويست بوينت العسكرية خلال الأول من شهر يونيو 2002، حيث ذكر أنه “يجب على الولايات المتحدة الأمريكية الكشف عن الخلايا الإرهابية في 60 دولة أو أكثر باستخدام أي وسيلة مالية أو إستخباراتية. وفي واقع الأمر تحدث الرئيس يوش الابن في خطابه هذا عن رؤية أمنية واسعة ومختلفة عن الإدارات الأمريكية السابقة حين قال إن “كل الدول التي تلجأ إلى العدوان والإرهاب ستدفع الثمن”. مؤكداً أن “واشنطون لن تترك أمر سلامة الولايات المتحدة الأمريكية وسلام العالم رحمة بضعة إرهابيين وحكام مستبدين”. (ص 285-6).

ويتوقع أن تظل الولايات المتحدة الأمريكية محافظة على تفوقها التقني، وتحقيق أعلى نسبة من الابتكارات، إضافة إلى تميز جامعاتها، وكونها الأكثر عدداً في العلماء والخبراء في المجالات كافة، على مستوى النظام العالمي الجديد ما سيدفعها إلى فرض سيطرتها على انتشار التقنية المتقدمة، ومنع وصولها إلى الدول التي تقف على الطرف الآخر من المصالح الأمريكية، والتي لن تعترف بهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على النظام العالمي الجديد. (ص 493).

على أن الأزمة ستشتد في العالم الثالث، فيقول المؤلف: في “المجال الاجتماعي: سوف تزداد المخاطر المحيطة بالاستقرار العالمي نتيجة تعرض الأوضاع البشرية لمزيد من التدهور، وخاصة في الدول الأكثر فقراً في العالم بسبب الانفجار السكاني والهجرة من المناطق غير الحضرية إلى المدن والمناطق الحضرية، ما يؤدي إلى زيادة المحرومين ووجود مئات الملايين من العاطلين عن العمل من الشباب. لذا، سوف يتزايد السخط بمعدلات عالية، وستزيد وسائل الاتصال الحديثة من حدة تمردهم على السلطة التقليدية، في الوقت نفسه الذي سيزيد فيه وعيهم واستياؤهم نتيجة عدم المساواة في العالم، فيصبحون قابلين للتطرف، ما يعرض دولهم ومجتمعاتهم لحالة من عدم الاستقرار وافتقاد الأمن المجتمعي”. (ص 493-4)  

أما عن الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، فيقول المؤلف:
“إن النظرة الأمريكية إلى منطقة الشرق الأوسط كجزء من النظام العالمي الجديد ذات أربعة أبعاد رئيسية تشمل: الأمن المطلق لإسرائيل، والتنمية السياسية، والإسلام السياسي، وأمن الطاقة، ولذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية ستعمل على الاعتماد على بعض القوى الإقليمية للتعامل مع هذه الأبعاد الرئيسية، وخاصة إسرائيل وتركيا والسعودية وقطر، وهي الدول التي تستطيع تطوير اقتصادها واللحاق بموجة العولمة”. (ص 512)

وعن النظرة المستقبلية يستشهد المؤلف بوجهة نظر “العالم الروسي البارز في مجال الدراسات الأمريكية، أناتولي تي. أوتكين Anatoly T. Otkin في نظرته إلى النظام العالمي الجديد للقرن الحادي والعشرين، أن المستقبل الذي يحمل في داخله تقارب الشعوب، سيصبح الناس فيه متشابهين كمنظمات، ليس في ملابسهم فقط، ووجود لغة عالمية الاستخدام، وعولمة الثقافة، والطعام، والإدمان، والتسلية، وآليات العمل، وإنما الشيفرة النفسية أيضاً. ويرى أنهم يتقاربون، ويتشاركون بشكل أعمق في القيم العامة متحولين فعلياً إلى قرية كونية واحدة، بما سيؤدي مستقبلاً إلى اختفاء الحدود الفاصلة بين “نحن” و”هم”، وستغير علوم هندسة البيولوجيا الجزئية، والاستنساخ، وصناعة الربوتوتات، والمعلوماتية، العالم المألوف بالنسبة إلى البشر بشكل جذري، الأمر الذي سيضمن لهم البقاء على قيد الحياة والتقدم”. (ص 532).

ويستخلص المؤلف من بحثه الموسوعي القيم حول مستقبل العالم و عولمة الثقافة فيقول:
“وقد ينظر بعض المهتمين إلى هذا التوجه غير المتوازن لعولمة الثقافة لمصلحة الثقافة الأمريكية نظرة سلبية، ولكن في الوقت ذاته لا بد من الأخذ في الاعتبار أن الثقافة الأمريكية في حد ذاتها هي ثقافة مشتقة من مزيج ثقافات المهاجرين إليها، ما يجعلها تعرف بأنها بوتقة تذوب فيها الثقافاتMelting pot وتمتزج. وبالتالي يمكن النظر إلى الثقافة العالمية الموحدة بقيادة الثقافة الأمريكية في النظام العالمي الجديد على أنها توسيع للتجربة الأمريكية في تفاعل الثقافات الغربية”. (ص 570-1).

“وأول هذه الملامح أنه نظام عالمي جديد يتسم بالقطبية الأحادية، تحقق فيه الولايات المتحدة الأمريكية السبق، نظراً إلى عوامل متعددة في مصلحتها، اقتصادية وسياسية واجتماعية، منها مجالات الطاقة والابتكار والمجال العسكري. وسيكون من الصعوبة بمكان على الدول المنافسة، وعلى رأسها الصين، أن تلتحق بالولايات المتحدة الأمريكية لتصبح قطباً ثانياً في النظام العالمي الجديد”. (ص 571)

وبناءً على كل ما سبق، فمن “المؤكد تفوق الولايات المتحدة الأمريكية في المجالات العسكرية والتقنية والعلمية والثقافية والتعليمية ومجال النقل، فضلاً عن قدرتها على التجدد والتكيف، يشكك بإمكانية بروز قوى متوازية لها في قيادة النظام العالمي الجديد خلال العقود الثلاثة المقبلة على أقل التقديرات”. (ص 583)

الكتاب عبارة عن موسوعة عن النظام العالمي الجديد، ذي القطبية الأحادية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وسعيها لمنع منافساتها في بزها في أي مجال كان. هذا الكتاب جدير بالقراءة من قبل جمهرة المثقفين والسياسيين وكل من يهتم بالشأن السياسي، المحلي والدولي. فمشاكل العالم لا يمكن حلها عن طريق الأحكام العاطفية المسبقة والتمنيات والأفكار الرغبوية (wishful thinking)، بل بالعلم والمعرفة والتخطيط المسبق.*
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com  
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أتقدم بالشكر الجزيل للصديق العزيز، الإعلامي الأستاذ رائد جباري، المقيم في الإمارات العربية المتحدة، على إهدائه لي نسخة من الكتاب.
 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.