الطائفة النسطورية.. من الهرطقة الدينية إلى الهرطقة التاريخية 3-5

محمد مندلاوي
يزعم الكاتب كيواركيس:”أما مرحلة بداية المسيحية، فقد طوَت صفحات تاريخية طويلة لتدخل المجتمعات بمفاهيم إجتماعية ودينية وفكرية جديدة، وقد تقبّل الشعب الآشوري الدين الجديد بكل سهولة كونه لم يختلف كثيراً مع دينهم القديم (الديانة الآشورية قبل الميلاد)– فقبل مجيء السيد المسيح نشر الآشوريون فكرة الإله الأوحد في مرتبته وآمنوا به بإسم “آشور” في نينوى و”مردوخ” في بابل كما آمنوا بموته وقيامته بعد ثلاثة أيام وهذه كانت معاني احتفالات رأس السنة الآشورية التي تصادف في الأوّل من كل “نيسانو” (ليلة الإعتدال الربيعي، بين 19 و 21 من آذار) في مدينتي بابل ونينوى (13). وإنّ هذه المطابقات قد أثرت على تقاليد كنيسة المشرق التي أسسها الآشوريون، بحيث لم تدخل المدلولات المادية (الصور والتماثيل) في طقوسها اليومية وممارساتها العبادية، بعكس الكنائس الأخرى التي كانت شعوبها تتعبّد للأصنام والتماثيل أو تستعمل المدلولات المادّية كوسيلة تواصل بينها وبين الآلهة قبل مجيء المسيح، بينما حتى الآن ليس هناك أيّ صنم تمّ اكتشافه في بلاد آشور. ومع دخول الدين الجديد، اتجه الآشوريون إلى إضافة مفاهيم جديدة في فهم الحياة وفلسفة ما بعدها، وكان الآشوريون أوّل من تقبلوا المسيحية (14) حين تأسست الكنيسة على يد الرسل أداي (تدّاوس) وماري ولاقت ترحيباً في المجتمع الآشوري بكافة طبقاته حيث انتشرت الأديرة في كافة مناطق الآشوريين بسرعة وخصوصاً في مناطق بيت كرماي (كركوك) وحدياب (أربيل) ونوهدرا (دهوك) وبيت باغاش (نوجيّا وكاور) وبيت سلاخ (شقلاوه الحالية وشمال شرق أربيل)”.
 ردنا: في الجزئية أعلاه، استند الكاتب كيواركيس على مصدرين، كما أشار لهما في الحاشية، الأول يزعم أنه، مقال لشخص الكاتب كيواركيس نشره في جريدة (النهار) البيروتية، وهذا ليس بحجة علينا، لأنه مقال الشخص ذاته الذي نحن نرد عليه في هذه الحلقات الخمس. ثم، منذ متى كلام المجلات و الجرائد السياسية يعتبر وثيقة تاريخية!!. أ وهل بداية السنة التي تسمى برأس السنة الآشورية هي آشورية حقاً، أم سومرية؟ والكورد الإزديين قالوا هذا مرات عديدة، أنه عيد سومري كوردي، معناه السنة الجديدة، والكلمة تفسر نفسها نيسان “ني” تعني الجديد في اللغة الكوردية، و”سان” هي تحريف ال”سال” وهي “سرده” في (أفستا) الكتاب المقدس للديانة الزرادشتية، ومزجهما معاً على الطريقة الكوردية تصبح نيسان، نيسال، أي السنة الجديدة. لا ننسى أن كلمة “سان” في اللغة الكوردية تعني أيضاً، القانون والسنن. والمصدر الآخر الذي أشار له الكاتب، هو رسالة بطرس الأولى، أنا قرأتها بدقة، لم أجد فيها ذكراً للآشوريين لا من قريب ولا من بعيد، لا بل في جميع صفحات الإنجيل، أو بالأحرى جميع صفحات الأناجيل الأربعة، متى و مرقس ولوقا و يوحنا، لم يأتي ذكراً لا لآشور ولا للآشوريين. إن كان الكاتب كيواركيس يربط بين المناطق التي جاء ذكرها في رسالة بطرس الأولى، فهي مناطق و ولايات رومانية. يقول بطرس في رسالته، “من بطرس رسول يسوع المسيح إلى المشتتين المغتربين في بلاد بنطس وغلاطية وكبدوكية وأسيا وبيثينية”، من المرجح أن بطرس في رسالته كان يخاطب اليهود والوثنيين في هذه المدن. ويشير قاموس الكتاب المقدس إلى هذا حين يقول “وكان يسكن هذه المقاطعة – أي بنتس- في أيام مخلصنا عدد ليس بقليل من اليهود” ويقول (قاموس الكتاب المقدس) عن غلاطية “اشتق اسمها من لقب القبائل الغالية التي هاجرت إلى آسيا الصغرى بعد أن تركت موطنها الأصلي في غرب أوروبا” ويضيف المصدر المشار إليه “وكانت غلاطية من ضمن البلاد التي اهتم لها الرسل الأوائل وأرسلوا إليها الوفود لدعوة سكانها، من يهود و وثنيين، إلى الإيمان بالمسيح.. .” أين أهل الإيمان الآشوريين هنا يا كيواركيس؟. مضمون الرسالة واضح أنه يخاطب اليهود والوثنيين في هذه البلاد، والآشوريون لم يكونوا يهوداً، لأنهم لم يعتنقوا الديانة اليهودية، وحسب زعم الكاتب لم يكن الآشوريون وثنيين، إذاً، ليس هم المعنيون في رسالة بطرس. للحقيقة نقول أن الآشوريين كانوا وثنيين، لكن ليس أولائك الوثنين واليهود الذين راسلهم بطرس في المدن الرومانية. إن الكاتب تبجح  و قال أن الآشوريين لم يكونوا وثنيين، والتوراة في سفر (ناحوم) قبل الإنجيل، في القرن السابع قبل الميلاد ذكرت وثنية الآشوريين، قائلاً لهم ” وأستأصل من هيكل آلهتك” هل الموحدون يعبدون آلهة؟!. ويزعم الكاتب في الفقرة أعلاه، أنهم على دين التوحيد، لا أدري ، كيف يوفق بين النصين؟ عجبي. أرجو المعذرة من القارئ للإطالة، لأهمية المادة أكرر ما قاله الكاتب في الجزئية أعلاه: “وإنّ هذه المطابقات قد أثرت على تقاليد كنيسة المشرق التي أسسها الآشوريون، بحيث لم تدخل المدلولات المادية (الصور والتماثيل) في طقوسها اليومية وممارساتها العبادية، بعكس الكنائس الأخرى التي كانت شعوبها تتعبّد للأصنام والتماثيل أو تستعمل المدلولات المادّية كوسيلة تواصل بينها وبين الآلهة قبل مجيء المسيح، بينما حتى الآن ليس هناك أيّ صنم تمّ اكتشافه في بلاد آشور”. يا ترى ماذا يقول الكاتب، لو نضع له صورة لتمثال إله آشوري كان يُعبد في آشور؟ رغم أن لا صلة بين الكاتب وطائفته النساطرة وبين آشور، ألا أني سأضع أدناه صورة المعبود الآشوري الموجود في كتاب “معجم الحضارات السامية” تأليف (هنري س.عبودي) ص (90) ليكون على بينة أن الآشوريين عبدوا الأصنام.

 
ومن الأصنام التي كانت تعبد في آشور الإلهة إشتار (عشتار) إلهة بابلية آشورية، جاء في المصدر المشار إليه أعلاه، أن الآشوريين جعلوا منها قرينة للإله آشور. وحارب أنبياء العهد القديم عبادة الإلهة إشتار. وهذا يدل على أنها وثن، وعبدتها وثنيون. وجاء في المصدر، إن إله داجان، كانت له منزلة رفيعة منذ العصور الأشورية القديمة، وقد شيد شمشي أدد الأول معبداً لهذا الإله في ترقة. هل لا زال الكاتب يزعم أن الآشوريين كانوا موحدون؟ يا ترى ماذا يقول عن زعمهم عن تسمية مدينة (أربل) التي يزعمون أنها سميت ب”أربا إلو”، تيمنناً بالآلهة الأربع، هل الموحدون يعبدون أربع آلهة!. أما عن الأسقفان اللذان ذكرهما الكاتب ” أداي، تداوس” يقال أن الاسمين هما اسم واحد، لأن تداوس هو أداي حسب التقليد السرياني، واسمه الصحيح (يهوذا تدواس)، وماري كان تلميذه، وهما ذهبا للكرازة في كوردستان، يقول عنهما قاموس الكتاب المقدس، منذ عصور الأولى كُرم “آداي وماري” كرسولين قديسين، لهما الفضل في الكرازة بالإنجيل في المناطق المحيطة بالفرات والتيجر، ولا يزال يكرمهما الكلدانيون ونساطرة العراق وكردستان. يا أستاذ كيواركيس، هذا (قاموس الكتاب المقدس) يقول أنهما كرزا لدى النساطرة والكلدان. أين ذكر الآشوريين!!!.  
يزعم الكاتب:”أما فيما يخصّ استمرارية الهوية الآشورية لمرحلة ما بعد الميلاد، يذكر البروفسور هنري ساغس، أستاذ اللغات الساميّة في جامعة كارديف – بريطانيا، ما يلي: “إنّ انهيار الإمبراطورية الآشورية لم يَمحُ عن وجه الأرض السكان الذين كانوا – بشكل أساسي – فلاحين، فإن أحفاد الفلاحين الآشوريين كانوا يبنون، حين تسنح الفرص، قراهم الجديدة فوق المدن القديمة ويعيشون حياتهم الريفية متذكرين تقاليد تلك المدن، وبعد سبعة أو ثمانية قرون من التقلبات اعتنق هؤلاء الدين المسيحي…” (15). وحول تماسك المجتمع الآشوري يقول المؤرّخ إدوارد غيبّون (1794-1737 م) في كتابه الشهير “إنحطاط وزوال الإمبراطورية الرومانية” وعن لسان الفيلسوف ليبانيوس (394-314 م، أستاذ الإمبراطور يوليانوس في علم البلاغة) (16)، ما يلي: “لقد امتلأت حقول آشور بمآسي الحرب، وإستدعى الآشوريون المرتعبون الأنهار لمساعدتهم وأتمّوا خراب بلادهم بأيديهم …” – ثمّ يتابع: “قررت مدينتي قطيسفون وبيرشابور (الأنبار اليوم – Perysabor) مقاومة يوليانوس، وأبقى الآشوريّون على ولائهم وصمودهم، لحين فتح الجيش الروماني أسوارهم بحفر كبيرة إستطاع من خلالها الدخول إلى قلاعهم …” (17) – إذاً في القرن الرابع الميلادي وفي عهد الملك الفارسي شابور أرداشير والإمبراطور يوليانوس، الذي تم قتله على أبواب قطيسفون(18) – كان للآشوريين استعدادٌ لمواجهة إمبراطورية عظيمة وكانوا متماسكين رغم خضوعهم للإمبراطورية الفارسية”.
ردنا: انتبه عزيزي القارئ، أن الكاتب النسطوري كيواركيس في جميع مصادره التي جاء بها في رده علينا، لم يأتي بمصدر عربي واحد معتبر، جميع مصادره هم كُتاب أجانب (أوربيون) ومنهم من كتب عن آشور من بعد، دون أن يزور المنطقة. في بحث للكاتب المسيحي الدكتور (عبد المسيح بويا يلدا) تحت عنوان ” من أين جاء الآثوريين إلى العراق؟” يكشف لنا حقيقة هذه العملية التي يقوم بها النساطرة، حيث يقول ” إن – ما تسمى- بوكالة الأخبار الآشورية العالمية (www.aina.org) Assyrian International News Agency قامت بإعادة طبع كل الكُتب التي كتبها هؤلاء – يقصد الغربيون- قبل أكثر من مائة عام لسبب واحد فقط، هو تبديل كلمة النساطرة التي استعملها هؤلاء إلى آشور و آشوريين، الكلمة التي اخترعت بعد الحرب العالمية الأولى. تصرف إعلامي خبيث حصل من قبل تلك الوكالة، أنها أعادت طبع تلك الكتب فقط باللغة الإنجليزية. أليست نصوص تلك الكتب مكتوبة حول تاريخ بابل وآشور؟ لماذا لا يقوموا النساطرة بترجمة تلك الكتب إلى الكردية والعربية حتى يتعرف الشعب العراقي بعربه وكورده على عمالة النساطرة إلى بريطانيا؟ حتى يعرف العراقيون إن ” المبشرين” الذين عملوا بين النساطرة هم أنفسهم يقولوا بأن ثمرة تبشيرهم كانت الحصول على حليف ولو صغير لبريطانيا في العراق وهم النساطرة” انتهى الاقتباس. هناك مؤرخون وآثاريون وقناصل غربيون زاروا المنطقة، وكتبوا بصدق وأمانة عن شعوبها وطوائفها، منهم العلامة (فلاديمير مينورسكي) كان مستشاراً في السفارة الروسية في طهران ومن ثم مستشاراً للسفارة والقنصلية الروسية في كل من طهران و تبريز و(باسيل نيكتين) شغل نائب القنص الروسي في أرومية، والدكتور (أساهيل كرانت) وهذا الأخير أيضاً زار كوردستان في قرن التاسع عشر وكتب عدة كتب عن النساطرة، وذكرهم باسمهم الحقيقي”النساطرة”  وليس المستعار، حتى أن عناوين كتبه كانت تحمل اسم النساطرة، ككتابه “نساطرة الجبال” و “النساطرة والقبائل المفقودة” يعني قبائل اليهود المسبيين من قبل الآشوريين قبل الميلاد والذين تم توطينهم في كوردستان، ولم يشر (كرانت) في كُتبه إلى أي ذكر للآشوريين. والدكتور (أساهيل كرانت) بالإضافة أنه كان مبشراً أمريكياً بعثه مجلس البعثات التبشيرية البروتستانتية في قرن التاسع عشر، كان طبيباً أيضاً يعالج المرضى، وقضى سنوات عديدة من عمره في كوردستان الكبرى، حتى أنه توفى فيها ودفن في مقبرة اليعاقبة، في موصل. وكذلك الأب والمبشر الدكتور (جورج برسي بادجر) الذي زار كوردستان سنة (1843) وتحديداً مدينة الموصل، لا يسميهم (آشوريين) في أبحاثه ودراساته، بل يسميهم باسمهم الحقيقي ألا وهو، النساطرة. لكن، كلام هؤلاء الذين ذكروا حقيقة النساطرة كطائفة دينية لا يروق للنساطرة، فلذا يسخروا منهم، ولا يشيروا إلى مؤلفاتهم التي تنقل الحقيقة الدامغة عن طائفتهم. أضف أن هناك مئات المؤرخين والآثاريين من أهل المنطقة الذين كتبوا عن الدولة الآشورية، منذ أن سطع نجمها، حتى أفولها، ونهايتها الأبدية على مسرح التاريخ، لكن، بما أنهم كتبوا عن حقيقة زوال الآشوريين وخروجهم من التاريخ نهائياً، فلذا كلامهم غير مقبول عند النساطرة، حتى أنهم اتهموهم بالعمالة لحزب البعث المجرم، بينما منهم من كتب عن آشور  قبل  استيلاء حزب البعث المجرم على السلطة في العراق، بل أكثر من هذا، لا يرضوا حتى بنصوص كتابهم المقدس، العهد القديم، – وهو حجة عليهم- رموه خلف ظهورهم، لأنه تنبأ أكثر من نبي فيه بزوال آشور ونهاية شعبها إلى الأبد كما قال أحدهم وهو النبي ناحوم: “وهذا ما يقوله الرب: مع أنكم أقوياء و كثيرون فإنكم تُستأصلون و تفنون، ويضيف الكتاب المقدس في سفره في آية أخرى: “وها الرب قد أصدر قضاءه بشأنك يا أشور: لن تبقى لك ذرية تحمل اسمك. وأستأصل من هيكل آلهتك منحوتاتك و مسبوكاتك، وأجعله قبرك، لأنك صرت نجساً. فيا يهوذا واظب على الاحتفال بأعيادك وأوف نذورك لأنه لن يهاجمك الشرير من بعد، إذ قد انقرض تماماً” كلام واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، حين يقول: “إذ قد انقرض تماماً” وهذا الكلام خارج إطار التشكك عند المسيحيين، لأنه كلام مصدره نبي معصوم من أنبياء الكتاب المقدس. ويقول نبي آخر، وهو النبي (صفنيا) في سِفره ص (1108) ” ثم يبسط يده نحو الشمال ويبيد أشور ويجعل نينوى قفراً موحشاً…” الآن أنهم أمام خيارين أحلاهما مر، أما أن يقولوا أن كتابهم المقدس مزيف، وهذا غير محال، أو يقبلوا به، وعليه يجب أن يعترفوا بأنهم ليسوا امتداداً للآشوريين، لأنهم وفق هذا الكتاب المقدس قد انتهوا إلى الأبد. أخيراً، في ردنا على ما جاء في الجزئية أعلاه، ذكر الكاتب كيواركيس (شاپور بن أردشير) شاپور الأول، وقال “في عهده في القرن الرابع الميلادي…”، في الحقيقة أن شاپور بن أردشير، شاپور الأول اعتلى عرش إيران بعد والده أردشير الأول، بين عام (242- 272م) وهذا التاريخ يصادف القرن الثالث الميلادي وليس القرن الرابع الميلادي كما زعم الكاتب كيواركيس، لا شك فيه، أنه جاء به من مصادره المشبوهة والمشوشة، التي لا تعير أهمية لزمن عمره مائة عام، قرن. أضف أن (شاپور الأول) لم يكن فارسياً، بل كان كوردياً، وذكرنا هذا في مقالات عدة، منها مقالنا المعنون “ليس دفاعاً عن (ملا بختيار) بل تبياناً للحقيقة التاريخية 4-4” وجئنا بمصادر فارسية موثقة ك(دائرة المعارف الفارسية) المعروفة ب(لغت نامه دهخدا) تقول في المجلد التاسع ص (13282) أن ساسان جد الساسانيين كان اسمه ساسان الكوردي.
 
” مات مئات الملوك والسلاطين .. إلا أن الكورد ظلوا، كما هم،  رابضين في أرضهم .. صامدين أمام حوادث الدهور وتقلبات الأزمان”
(حاجي قادر كويى)  

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.