الطائفة النسطورية.. من الهرطقة الدينية إلى الهرطقة التاريخية 4-5

محمد مندلاوي

يطلق الكاتب كيواركيس العنان لخياله الخصب، ويحاول محاولات مستميتة لتثبيت عكس ما هو ثابت في التاريخ، زاعماً:

“والنزعة القومية الآشورية في القرون الأولى للمسيحية تؤكدها البروفيسور باتريسيا كرون، أستاذة التاريخ في جامعة لندن، حيث تذهب إلى حد اتهام الآشوريين بالشوفينية كونهم لجأوا إلى المسيحية وبالتحديد “النسطورية”، هرباً من الإندماج بالزردشتية الفارسية والأورثوذوكسية اليونانية، وتجنباً لذوبانهم في الثقافات المحيطة، وذلك في كتابها “الهاجريّة – صناعة العالم الإسلامي” (Hagarism) حين تقول: [… رغم تناسي العالم الخارجي لآشور، إلا أنها استطاعت أن تعيد تجميع ماضيها المجيد بهدوء، وهكذا عادت بتعريف آشوري للذات في عهد البارثيين، وليس بتعريفٍ فارسي ولا يوناني؛ فأُعيد تجديد معبد آشور وأعيد بناء المدينة، وعادت دولة الخلافة الآشورية بشكل مملكة أديابين… وتمسّك الآشوريون بأصولهم، فحتى الزرادشتية اعتبرت فارسية في مفهومهم، لذلك كانوا بحاجة إلى مواجهتها بديانة أخرى، ولكن المسيحية الأورثوذوكسية بدورها اعتبروها إغريقية، وهكذا، مقابل الأورثوذوكسية الإغريقية وجدوا أنفسهم أمام حل واحد وهو الهرطقة النسطورية…

وهكذا استدارت شوفينية آشور إلى ذكريات الماضي المجيد. حيث اهتدوا بطريقتين نافعتين في تطهير سمعتهم السيئة في الكتاب المقدّس، الطريقة الأولى كانت سردانا (أسرحدون– الكاتب)، ابن سنحاريب، الملك الثاني والثلاثون لآشور وخلف بيلوس وحاكم ثلث العالم، والذي استجاب ليونان وشرّع صوم نينوى الذي أنقذها من الخراب، وبما أن الصوم أنقذ الآشوريين من غضب الرب في الماضي، فقد أعاد تشريعه سبريشوع من كرخا دي بيت سلوخ (المكرّدة اليوم إلى “كركوك” – الكاتب) لإنقاذهم من الوباء بعد ألف سنة. و الطريقة الثانية النافعة كانت باعتناق نرساي الآشوري المسيحية كما اعتنق إيزاتيس الثاني اليهودية، مما يعني بأن الآشوريين بقوا موحدين قبل وبعد المسيح، والماضي أوصلهم إلى الحاضر دون عائق، وهكذا يبدأ تاريخ كرخا دبيت سلوخ بالملوك الآشوريين وينتهي بشهدائهم…

فكما وقف العالم كله مرعوباً من ساردانا في القرن السابع قبل الميلاد، هكذا احتل القديسون مكانه في القرن السابع الميلادي باعتباره “شمس آشور” أو “مجد نينوى”] (19) ، وقد تولى ولاية مملكة “آشور” في القرن الرابع للميلاد، الملك سنحاريب الثاني وهو والد القديسَين بهنام وساره (20) ، وقد تمّ ذكر آشور أيضاً في القرن السابع بواسطة الآشوريين، حين كتب الجاثليق مار أيشوعياب الثالث الحديابي (649-659م) رسالة خطية إلى رئيس الأساقفة مار غبريال، وإلى مار هرمز دبيت لافاط جاء فيها :” إن الإيمان الأفضل نعيشه اليوم في آشور المركزية وما حولها، الميراث النبيل ونقاوة الفكر ونشر كلمة الرب قد ساهمت جميعها في عظمة هذه البرَكة… (21)”.
ردنا: لماذا في كل فقرة يشير الكاتب إلى مصدر أجنبي أوروبي، كأنه ليس في الشرق الأوسط آثاريون ومؤرخون كتبوا عن آشور والآشوريين !! أم أن وراء الأكمة ما وراءها، لأن ما قاله مؤرخوا وآثاريوا شرق الأوسط لا يوافق ولا يتماشى مع تدليس الكاتب المتعمد؟. إن المستشرقة الدانمركية السيدة (پاتريسيا كرون- Patricia Crone) التي يشير إليها الكاتب كيواركيس في الجزئية أعلاه، هي كاتبة مختصة في التاريخ الإسلامي، ولها كتاب شهير عن الإسلام تحت عنوان ” تجارة مكة وظهور الإسلام” (Meccan Trade and The Rise of Islam) لم تذكر في كتابها آنف الذكر، الآشوريين أبداً، بل ذكرت في ص (15) اسم الآراميين، بلا أدنى شك لو نقل منها الكاتب كيواركيس كالعادة، قلب اسم الآراميين إلى آشوريين. وفي ص (22) تتحدث المستشرقة في المصدر المشار إليه عن تتويج الملك الحضرمي الذي حكم إما في القرن الأول أو الثالث الميلادي، واستقبل عند تتويجه وفداً من قريش، وكان معهم ممثلون من تدمر و كزد و كلدانيين و الهند. هنا أيضاً لم نرى ذكراً للآشوريين من قبل الكاتبة پاتريسيا كرون.

وفی کتابها الذي أشار له الكاتب المعنون ب(الهاجریون) والذی یقول کیوارکیس، أنها وزمیلها ذكرا فيه اسم الأشوريين لیس ببعيد أن المترجم ربما سهى أو تلاعب بالكلمات كبعض المترجمين العرب، الذين عاهدناهم، حين يترجموا كتاباً من لغات أجنبية إلى العربية وفيه اسم لا یروق لهم أو لا یوافق فکرهم العنصری، یغییروه إلى اسم آخر دون أي اعتبار لشرف المهنة. لقد صادفنا فی حیاتنا الكثير من هؤلاء الذين غييروا اسم كوردستان فی الکتب التی ترجموها إلى شمال العراق، أو إلى نواعير الفرات الخ، تماماً كما تفعل النساطرة حين يصفوا جميع مسيحيي العراق و كوردستان من الکلدان والسریان، بالآشوريين. ثم، أن الكاتبة پاتريسيا كرون، لا تملک معلومات وافیه عن المنطقة وتاريخها، والشخصيات التاريخية التي كانت لها صولات وجولات في التاريخ، على سبيل المثال ولیس الحصر، في كتابها “تجارة مكة وظهور الإسلام” اعتمدت على النصوص والمخطوطات المسيحية، لذا وقعت في جملة أخطاء وهفوات لا یقع فیها ألا الذين يفتقرون إلى معلومات صحیحة عن مكونات المنطقة، حتى سخر منها ومن زميلها مايكل كوك، بعض كتاب العرب والأجانب، حین رأوا: “أنهما يتخيلان أن هجرة  المسلمين لم تكن من مكة إلى يثرب (المدينة)، بل تتخیلان أنها كانت من جزيرة العرب إلى أرض الموعودة، فلسطين (إسرائيل) وتقول عنهما کُتاب العرب فی بحوثهم، أنهما يخلطان بين تسمية المهاجرين ” أي المسلمين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، وبين لفظ المهراجي أو الهاجريين” الذي يبدو أن اليهود والمسيحيين في سورية وفلسطين قد أطلقوه على المسلمين لتعريفهم نسبة إلى نسبهم الممتد إلى هاجر، زوجة النبي إبراهيم، أم اسماعيل” وتؤكد الباحثة التونسية (آمنة الجبلاوي) استحالة اعتبار هذه المصادر بريئة تماماً أو على الأقل أكثر تجرداً من المصادر الإسلامية، فهي نابعة من شهادات من هم في موقع المنخرط في الصراعات الدينية والعسكرية والسياسية مع الحضارة الإسلامية. كما أكد ذلك المستشرق (دانييل نورمان- D. Nordman) بقوله:

هل يمكن لدارس المسيحية أن يستغني بتاتاً عن المصادر المسيحية على أساس أنها غير محايدة، ويعتمد فقط على المصادر الخارجية الأخرى؟!”. هذا ما فعلتها المستشرقة (پاتريسيا كرون) التي شككت بالمصادر الإسلامية ولم تأخذ بها، بينما كتابها يناقش تاريخ العقيدة الإسلامية. هناك انتقادات كثيرة عنها وعن مؤلفاتها لكني أكتفي بهذا القدر لتجنب الإطالة. لكي يكون القارئ على بينة من هفوات المستشرقة الدانمركية پاتريسيا كرون، أكرر ما نقله الكاتب كیواركيس عنها في الجزئية أعلاه حيث تقول” رغم تناسي العالم الخارجي لآشور، إلا أنها استطاعت أن تعيد تجميع ماضيها المجيد بهدوء، وهكذا عادت بتعريف آشوري للذات في عهد البارثيين، وليس بتعريفٍ فارسي ولا يوناني” انتهى الاقتباس، إن الكاتب حسب النص الذي نقله منها، تنسب الپارثيين (الپارتيين) الذين حكموا من (247) ق.م. حتى (224) ب.م. إلى الفرس، إن الكثير من الكتاب والمؤرخين يقعوا في خطأ تشابه الاسمين حين يتصوروا أن اسمي پارس أو فارس و پرث أو پارث شعب واحد، من المرجح أنهم لا يعرفوا حتى المسافة التي تفصل بين الشعبين وهي أكثر من (1000) كيلو متر، حيث أن موطن الفرس هو في أقصى الجنوب الإيراني، و موطن الپرث في خراسان في أقصى شمال شرق إيران. أن الكاتب النسطوري بما أنه غريب عن المنطقة وشعوبها كما الكاتبة الدانيماركية، لا يعرف أصل وفصل الپارثيين، أنه جاء بالنص ولطشه في مقاله، كما يقول السوريون ، خبط لصق، أنا، ومن هنا، أتحداك والمستشرقة  پاتريسيا كرون، أن تأتوا بنص واحد معتبر، يقول أن الپارثيين ينتمون إلى العنصر الفارسي. عزيزي القارئ، قال الكاتب كيواركيس في سياق مقاله، “أن الآشوريين قبلوا بالدين المسيحي لأنهم كانوا على دين التوحيد، ولم تكن هناك فروقات بين الدينين الآشوري والمسيحي فلذا تبنوا الدين الجديد برحابة صدر”. إذا كنت كذاباً فكن ذكوراً، إذا كانوا موحدون لماذا اعتنقوا فيما بعد الهرطقة النسطورية!. ينقل الكاتب في الجزئية أعلاه، أن الآشوريين اعتنقوا الهرطقة النسطورية نسبة إلى نسطورس، الذي طرد من الكنيسة، لأنه جاء بالبدعة الهرطقية المخالفة لأصول الدين المسيحي، وكان يرفض تسمية القديسة مريم بوالدة الإله، وكان يعتقد أن القديسة مريم، لم تلد إلهاً متجسداً، بل ولدت إنساناً فقط. وبإدعائه هذا، أنه أنكر لاهوت المسيح، فلذا حرمه مجمع أفسس المسكوني سنة (431) الميلادية من بطريريكية القسطنطينية. وفي مقولة شهيرة له، قال اللاهوتي (البابا شنودة الثالث) (1923- 2012) عن النساطرة :” إن النساطرة الذين يتبعون نسطورس الذي حرم في مجمع أفسس لن يدخلوا الملكوت”. لمن لا يعلم، لا توجد جنة في الديانة المسيحية، بل توجد ملكوت يدخلها المسيحي المؤمن في الآخرة، وبابا شنودة يعني في كلامه أنهم لا يدخلون الملكوت، وتعتبر جنة حسب المفهوم الإسلامي. بعد سلسلة من التلفيقات يزايد علينا الكاتب النسطوري على  كركوك ويسميها المكردة، أي المستكردة، يا حبذا يأتي لنا بوثيقة تاريخية تقول متى استكرد الكورد كركوك؟، أليس الكاتب بتدليسه هذا يكون أكثر نذالة و… من العرب المستوطنين، الذين جيء بهم من قبل الحكومات العربية العنصرية، واستوطنوهم في كركوك لتغيير ديموغرافيتها الكوردستانية؟ إذا الكورد، كما يزعم الكاتب جاءوا إلى مدينة اسمها كركوك واستكردوها؟ نتساءل، لو يتكرم علينا الكاتب و يقول لنا ماذا يعني اسم كركوك في اللغة العربية أو التركية و أقليتان ناطقتان بالعربية والتركية استوطنتا كركوك وهم من بقايا الاحتلال العربي والعثماني، أو يقول لنا معناه في اللغة التي يتكلم بها الكاتب النسطوري ذاته؟ أن الاسم الذي ذكره الكاتب في الجزئية أعلاه هو بالآرامية “كرخا دبيت سلوخ”  أي مدينة السلوقيين، وقبلها كانت تسمى گرميان، المعربة إلى باجرمي، وتعني في اللغة الكوردية المنطقة الدافئة، وإلى اليوم تسمى القسم الأكبر من جنوب كوردستان بگرميان، وهذه تسمية أطلقها الكورد في شرقي كوردستان عليها، لأنهم يسمون جنوب كوردستان ب”كوردستانى گه رم” أي كوردستان الدافئة. وتسمية كركوك هي تحريف لاسم “گرکوک” نسبة إلى شعلة “بابا گرگر” أي الشعلة المتقدة دائماً، حيث أن كلمة “گر” تعني الشعلة، اللهيب، وكلمة “كوك”، تعني دائم، مستمر، ومزجهما معاً على الطريقة الكوردية، لأن اللغة الكوردية بعكس العربية التي هي اشتقاقية، لغة امتزاجية، التصاقية، تخلق من عدة كلمات كلمة واحدة، كما في الاسم الذي نحن بصدده الذي أصبح عند التصاق “گر” مع “كوك”، والذي تحول عبر الزمن حرف الگاف فيه إلى كاف، وأصبح الاسم كه ركووك (كركوك). أخيراً في الجزئية أعلاه، يذكر الكاتب اسم القديس (بهنام) ولم يعرف أنه اسم كوردي، فارسي، يعنى، “الاسم الحسن” لأن ” به” مختصر بهتر، و”نام” يعني اسم. إذا يعترض علينا الكاتب النسطوري، فليقل لنا معناه في اللغة التي يتكلم بها. وكذلك اسم مار هرمز، أيضاً اسم كوردي، فارسي مشترك، يعني الخالق، وهو صيغة من صيغ (آهورامزدا) واسم لعدد من ملوك إيران الساسانيون ك(هرمز الأول) ابن شاپور. و(هرمز الخامس) الذي جلس على عرش إيران في (630) م. و(هرمز الرابع) ابن أنوشيروان العادل. و(هرمز) اسم القائد الإيراني الذي واجه خالد ابن الوليد حتى ضرب به المثل حيث تقول العرب “أكفر من هرمز”.

إن هرمز هذا كان معتنقاً لدين توحيدي، و دافع عن بلده وشعبه أمام هجمات الأعراب. وأيضاً هرمز اسماً لمضيق في الخليج الفارسي الذي يطلق عليه العرب الخليج العربي، والذي يفصل بحر عمان عن بحر الخليج الفارسي، وكذلك اسم لجزيرة إيرانية في الخليج المذكور،الخ.    
يزعم الكاتب النسطوري:”وخلال مرحلة اعتناق الآشوريين للدين الجديد برزت عدّة شخصيات لمعت في الفكر والفلسفة ومنها “ططيانوس الحديابي” (130 م) الذي لقب نفسه بـ”الآشوري” وقد جَمَعَ الأناجيل الأربعة (متي، مرقس، لوقا، يوحنا) في كتاب واحد سمّاه “الدياطسرون” (22) والذي يعود إليه الفضل في ترسيخ فكرة الثالوث اللاهوتي كون هذه الفكرة هي أصلاً من ثقافة أجداد ططيانوس الآشوري وعن ذلك يقول المؤرّخ هيبوليتوس(170-236 م) الذي عُرف بـ”أسقف روما الشهيد” في كتابه المعَنوَن “الردود على الهرطقات” : “إن الآشوريين هم الاوائل الذين قالوا بأن النفس تتألف من ثلاث كيانات في كيان واحد” (23)…. مهما يكن، لم تلقَ فكرة الثالوث المسيحي ترحيباً آنذاك من قبل كنيسة روما حيث اعتبر البابا ديونوسيوس (القرن الثالث) أصحاب فكرة الثالوث مُبدِعين واتهمهم بالهرطقة ومنهم وإقليمس الإسكندري الذي أرجع فلسفته إلى “الآشوري” ططيانونس (24)”.
ردنا: أنا لا أخالف الكاتب عن لقب ذلك الحديابي، الذي زعم كيواركيس، أنه اتخذ لنفسه لقب آشوري، ربما قرأ عن دولة آشور وأعجب بها فلذا اتخذ لنفسه هذا اللقب… حتى في عصرنا هذا، يوجد عدداً من الكورد اتخذوا لأنفسهم لقب الآشوري ،ربما أعجبوا بإمبراطورية آشور… أو لغاية في نفس ذلك الشخص المسمى بهذا الاسم، هناك شخص كوردي أكاديمي، يحمل شهادة الدكتوراه، أستاذ اللغة والأدب في جامعة كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأمريكية اسمه (علي آشوري) وهو ليس من جنوب كوردستان (العراق) بل من شرق كوردستان (إيران) وتحديداً من مدينة إيلام، يا ترى ماذا يقول عنه الكاتب؟، هل هو آشوري! أم يحمل اللقب فقط؟. ربما سمع الكاتب عن أناس عرب أقحاح في السعودية وبعض البلدان العربية الأخرى، اسمهم كوردي، أو تركي، أو عجمي، أو لقبهم الفارسي، أو الروماني، أو الرومي، أو الهندي، الخ. ما الغرابة في هذا، أنه شيء شائع في الشرق الأوسط، حتى أن المجرم صدام حسين ادعى في إحدى خطبه أنه آشوري. دعنا الآن نلقي نظرة على كلمة إمارة حدياب التي يزعم الكاتب انتماء “ططيانوس” لها. للعلم، إن إمارة إديابن (حدياب) انتهت من الوجود كإمارة أو مملكة قائمة بذاتها قبل ظهور نسطورس والهرطقة النسطورية بحدود قرنين. إن هذه الإمارة التي تسمى إديابن حرفت عند أهل الشام إلى حدياب. إن المؤرخ الروماني (أمانيوس مارسيليانوس) الذي عاش بين سنوات (325- 391)م أي في القرن الرابع الميلادي، يقول ضمت إلى نفسها إكباتانا (همدان) في وسط إيران، التي كانت في العصور القديمة عاصمة الميديين. السؤال هنا، لو لم تكن إديابن إمارة كوردية، كيف يصل سلطانها إلى تلك البلاد التي تقع في وسط المدن الكوردية في شرقي كوردستان التي تبعد عن إديابن مئات الكيلومترات؟.

ذكر الكاتب اسم أربيل كعاصمة لإمارة إديابن وهي كمدينة كوردية جاء ذكرها في (معجم البلدان) لياقوت الحموي، حيث ورد في الجزء الأول منه اسم مدينة وقلعة (إربل) الذي يقول:” أن أكثر أهلها من الأكراد”  أن سكان المدينة وقلعتها التي بنيت على طراز شعوب الجبال يعكس نمط حياة الكورد الذي بنوها وعاشوا فيها قبل آلاف السنين. كذلك ذكرها العديد من المؤرخين بهذا الاسم، منهم (الدمشقي) في كتابه (نخبة الدهر) في ص (96-190-235)، و أيضا في كتاب (عيون الأخبار) ج (2) ص (17-182) وجاء اسم (إربل) أيضاً في كتاب (جامع التواريخ) ل(رشيد الدين فضل الله الهمداني). وذكرها (الخونساري) في (روضات الجنات) ص (396). وفي كتاب (قاموس الأعلام) وجاء ذكر أربيل كمدينة كوردية على لسان شاعر بغدادي قبل أكثر من (1000) سنة نقله لنا  ياقوت الحموي (1179- 1228) ميلادية في كتابه الشهير (معجم البلدان) الذي ينقل عن الشاعر (أنوشروان البغدادي) ذكر اسم الكورد في أربيل، أبان زيارته لها، حينها كتب قصيدتان الأولى هجا فيها أهل أربيل، وفي الثانية عدل عن هجائه و مدحهم، يقول: “هذا وفي البازار قوم إذا … عاينتهم عاينت أهل البلا . من كل  كردي …. و الكرد لا تسمع  إلا جيا …  أو نجيا  أو نتوا  زنكلا. كلا و بو بو علكو خشتري… خيلو و مبلو موسكا منكلا.  ممو و مقو ممكي ثم  إن  … قالوا بوير كي تجي قلت لا” إلى آخر القصيدة. يقول في قصيدته الثانية:   قد تاب شيطاني و قد قال لي … لا عدت أهجو بعدها إربلا. كيف و قد عاينت في صدرها … صدراً رئيساً  سيداً مقبلاً. إن جميع هذه المصادر وغيرها قبل قرون عديدة ذكرت أربيل كمدينة كوردية. أضف أن هناك أسماء كوردية تبوأت في القرون الأولى للميلاد مناصب متقدمة في السلم الكنسي مثل (بهنام) و (هرمز) و (مهر نرسي) و شقيقته (مهدوخت) و (شمو) و(بارشبا الشهرزوري). وذكر المطران (ادي شير) (1867- 1915) أسقف الكلدان، عدة أسماء لرجال الدين المسيحي من الكورد مثل: ” تقلا، و دانق، و ماما “. تقول المصادر المسيحية ” خرج من بين الكورد قساوسة و رجال اكليروس خدموا المسيحية و استشهدوا من أجلها” وذكر المؤرخون و الرحالة، الكورد المسيحيون في كوردستان في صدر الإسلام وما بعده، منهم المؤرخ العربي الشهير أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي الكوفي المتوفى سنة (346) للهجرة حيث ذكر اليعاقبة الكرد أو النصارى الكرد، وقال أن هؤلاء الكورد المسيحيين اليعقاقبة و الجورقان وأن ديارهم تقع مما يلي الموصل وجبل جودي يسمون بالأكراد بعضهم مسيحيون من النساطرة و اليعاقبة و بعضهم الآخر من المسلمين. وذكر المؤرخ واللغوي البريطاني (وليم مارسدن) (1754- 1836) في كتابه (رحلات ماركو بولو) ص (37) عن الرحالة الإيطالي الشهير (ماركو بولو) (1254- 1324م) الكورد المسيحيين، قال عنهم ماركو:”إن هناك شعباً كردياً مسيحياً يسكن في جبال الموصل”. أما موضوع (حدياب) الذي تطرق له الكاتب أن اسمها “إديابين” و حدياب كانت تحريفاً لإديابين عند أهل الشام، هكذا تقول المصادر المسيحية، وبعد أفول نجمها كإمارة، أصبحت منطقة تابعة للإمبراطورية الساسانية. تقول الموسوعة الحرة، أن الهزوانيين و يطلق عليهم أيضاً اسم أديابين أو حدياب كانوا شعباً قديماً…

و تضيف الموسوعة أسس الهزوانيون مملكة واتخذوا من مدينة أربيل عاصمة لهم، و يعتبر الهزوانيين من قبل المؤرخين،هم الكورد الأوائل الذين اعتنقوا الديانة اليهودية… و تستمر الموسوعة : استناداً إلى المستشرقين و المؤرخين و التلمود فإن اعتناق هذه المجموعة من الكورد للديانة اليهودية، كانت بتأثير من اليهود الذين تم نفيهم على يد الملك الآشوري شلمنصر الثالث بين أعوام 858 ق.م. و 824 ق.م. وهناك إجماع، على إن الكورد اليهود الذين هاجروا إلى إسرائيل في أواسط القرن الماضي،هم أحفاد هذه الشريحة الكوردية. إن دل هذا على شيء، إنما يدل على أن هؤلاء ليسوا يهوداً أصلاء؟ بل هم من الكورد تهودوا فيما مضى من تاريخ، فلهذا، نراهم رغم مرور عشرات السنين على وجودهم في دولة إسرائيل لا يفرطوا باللغة و التراث والأدب و الزي و الفلكلور الكردي، أنهم متمسكون بكل شيء كوردي و لا يندمجوا اندماجاً تاماً بالدولة العبرية، بينما اليهود الأصلاء الذين هاجروا من دول عربية وآسيوية و أوروبية نسوا كل شيء و اندمجوا بدولتهم، دولة إسرائيل اندماجاً تاماً. حسب زعم الكاتب في الجزئية أعلاه، الذي يقول أنهم أي … أصحاب  “ترسيخ فكرة الثالوث اللاهوتي كون هذه الفكرة هي أصلاً من ثقافة أجداد ططيانوس الآشوري” نتساءل، إذا أنتم في القرن الثاني الميلادي هكذا؟، لماذا في القرن الرابع الميلادي سرتم خلف صاحب الهرطقة، نسطورس الذي أنكر ألوهية المسيح؟ حين رفض  يسمي السيدة مريم بوالدة الله، وقال أنها والدة المسيح، ليست بوالدة الله ومغزى هذا الكلام، أنه يرفض أن المسيح هو الله الذي تجسد، – كما تقول العقيدة المسيحية- فلذا أدانه مجمع أفسس الذي عقد في (431)م وجُرد في هذا المجمع من منصبه كبطريرك القسطنطينية ومن ثم تم نفيه. في نهاية هذه الجزئية أقول، أن إلقاء الحجة على الآخر لا تكون بالفبركة والتلاعب بكلمات تمجه الأسماع.   
وفي الجزئية التالية يزعم الكاتب كيواركيس:”ويَرد ذكر الآشوريين في تاريخ آخر، وبالتحديد في منتصف القرن السادس الميلادي، حين احتل الإمبراطور أنستاس (Anastasius) مدينة دارا (بين ماردين ونصيبين) عام 556 م، وذلك على لسان المطران مار يوحنا الآمدي (505 – 585م) في تاريخه الكنسي حيث يذكر الحدث كما يلي : “سَلبَ المدينة بشكل يصعُب تقديره، وسبى سكانها، وترك فيها جيشه وحاميته، وعاد إلى بلاده وبحوزته 385 غنيمة من الذهب والفضة من ثروات كنائسها، وسلمها إلى “الآثورايي” (Atourayeh)” (25)”.
ردنا: قبل قليل قلنا للقارئ، أن الكاتب النسطوري يتلاعب بالكلمات. أدعو القارئ أن يقرأ نص ما كتبه الكاتب كيواركيس أعلاه جيداً، لكي يكون على بينة من تدليس هذا الكاتب، حيث أنه في بداية الفقرة ينسب ذكر اسم آشور إلى مار يوحنا الآمدي، وحين يشير إلى المصدر وإذا بالاسم “آثوري” وليس آشوري، ونحن في سياق هذا المقال، شرحنا البون الشاسع بين الاسمين، آثوري وآشوري، وبينا عدم وجود أية صلة بينهما، تماماً كالفرق بين دولتي پولندا وهولنده، وأورغواي وبارغواي، لاحظ عزيزي القارئ، أنه تشابه أسماء فقط لا غير. وهذا هو أسقف الكلدان المطران (أدي شير) الذي قال في كتابه (كلدو آثور) أعتقد أن البعض وضع واواً بين الاسمين وأصبح، كلدو و آثور، وبه تغيير المعنى، بدليل أن أدي شير قال في سياق كتابه: “أن سكان الجزيرة وآثور والعراق على اختلاف مذاهبهم هم كلدان آثوريون جنساً و وطناً” يتضح هنا وكما قلنا في سياق المقال، أن آثور غير آشور، وهي محرفة من آتور أي الجبل أو هضبة، بلهجات الطوائف المسيحية، ك” طور عابدين” في شمال كوردستان. موطن اليعاقبة. ويسمون أيضاً كما جاءت في الموسوعة الحرة “طورويي” نسبة لطور عابدين، ولهجتهم  تسمى لهجة ” طورويو “. للعلم، أن النساطرة الذين أطلق عليهم البريطانيون اسم الآشوريون وهم قبلوه برحابة صدر، حين تقول لهم أنتم آثوريون، بالثاء وليس بالشين، يمتعضوا من كلامك ويتغيير ملامح وجوههم، لأنهم يعرفوا أن هذا الاسم مناطقي، طائفي، لا يمنحهم صفة الشعب، ولا يمنحهم جزءاً من وطن الغير الذي طمعوا فيه بدافع من الاستعمار البريطاني البغيض. في ختام هذه الجزئية، أود أن أقول شيئاً عن تسميات الطوائف المسيحية في المنطقة، بسبب عدم أصالتهم كل منهم يطلق تسمية عشوائية حسب أهوائه على الآخر، حيث أن اليعاقبة السريان يسموا النساطرة بسريان الشرق، والنساطرة مقتبسي اسم آشور الذي لا يعرفوا حتى معناه يطلقوا التسمية الآشورية على جميع المسيحيين في المنطقة. والكلدان يسموا النساطرة كفرع من الكلدان. والبعض منهم ينسب السريان إلى الآراميين. وسياسيوا هذه الطوائف يطلقوا على طوائفهم تسمية الشعب “الآشوري السرياني الكلداني”. هذه هي خلاصة حقيقة هؤلاء…، يا ترى هل فهمت شيئاً عزيزي القارئ من هذه التسميات الفنتازية؟ ألم تصب بالدوار؟ كأننا نتحدث عن نظرية النسبية لأنشتاين.
” أيا منزل الكورد بوركت منزلا                                                                                                    لنا فيه أقمار المعارف تشرق                                                                                                      سعدت فما أصبحت إلا حديقة                                                                                                     بها زهر التحقيق بالدرس مورق                                                                                                  لنا فيك أعلام إذا ما ذكرتهم                                                                                                  فطرفي دفاق وقلبي محرق                                                                                                        مشايخ أضحى للعلوم معادنا                                                                                                       بما حرروا قد زان للدهر مفرق                                                                                                  مدارسهم بالعلم أضحى نواظرا                                                                                               بطرف إلى أعلى المنازل يرمق”
قصيدة للشيخ العلامة (عثمان بن السند الوائلي النجدي) يمجد فيها الوطن الكوردي الذي أنجب قادة عظماء غيروا وجه التاريخ، وعلماء وأدباء فطاحل أغنوا المكتبة العربية و الإسلامية بالعلوم والأدب والشعر.                                                         
 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.